وقولة العاص بن وائل نموذج من تهكم الكفار واستخفافهم بالبعث والقرآن يعجب من أمره،ويستنكر ادعاءه: «أَطَّلَعَ الْغَيْبَ؟» فهو يعرف ما هنالك. «أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْدًا» فهو واثق من تحققه؟
ثم يعقب: «كَلَّا» .وهي لفظة نفي وزجر.كلا لم يطلع على الغيب ولم يتخذ عند اللّه عهدا،إنما هو يكفر ويسخر فالتهديد إذن والوعيد هو اللائق لتأديب الكافرين السافرين: «كَلَّا سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا» ..سنكتب ما يقول فنسجله عليه ليوم الحساب فلا ينسى ولا يقبل المغالطة ..وهو تعبير تصويري للتهديد،وإلا فالمغالطة مستحيلة،وعلم اللّه لا تند عنه صغيرة ولا كبيرة.ونمد له من العذاب مدا،فنزيده منه ونطيله عليه ولا نقطعه عنه! ويستمر السياق في التهديد على طريقة التصوير أيضا: «وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ» أي نأخذ ما يخلفه مما يتحدث عنه من مال وولد كما يفعل الوارث بعد موت المورث! «وَيَأْتِينا فَرْدًا» لا مال معه ولا ولد ولا نصير له ولا سند،مجردا ضعيفا وحيدا فريدا.فهل رأيت إلى هذا الذي كفر بآيات اللّه وهو يحيل على يوم لا يملك فيه شيئا؟ يوم يجرد من كل ما يملك في هذه الدنيا؟ إنه نموذج من نماذج الكفار.نموذج الكفر والادعاء والاستهتار ..
ويستطرد السياق في استعراض ظواهر الكفر والشرك: « وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا،كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا.أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا.فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا.يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْدًا،وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْدًا،لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْدًا» .
فهؤلاء الذين يكفرون بآيات اللّه يتخذون من دونه آلهة يطلبون عندها العزة،والغلب والنصرة،وكان فيهم من يعبد الملائكة ومن يعبد الجن ويستنصرونهم ويتقوون بهم ..كلا! فسيكفر الملائكة والجن بعبادتهم،وينكرونها عليهم،ويبرأون إلى اللّه منهم، «وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا» بالتبرؤ منهم والشهادة عليهم.وإن الشياطين ليهيجونهم إلى المعاصي.فهم مسلطون عليهم،مأذون لهم في إغوائهم منذ أن طلب إبليس إطلاق يده فيهم .. « فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ» ولا يضيق صدرك بهم فإنهم ممهلون إلى أجل قريب،وكل شيء من أعمالهم محسوب عليهم ومعدود ..والتعبير يصور دقة الحساب تصويرا محسوسا «إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا» ..وإنه لتصوير مرهوب،فيا ويل من يعد اللّه عليه ذنوبه وأعماله وأنفاسه،ويتتبعها ليحاسبه الحساب العسير ..إن الذي يحس أن رئيسه في الأرض يتتبع أعماله وأخطاءه يفزع ويخاف ويعيش في قلق وحسبان ..فكيف باللّه المنتقم الجبار؟! وفي مشهد من مشاهد القيامة يصور عاقبة العد والحساب.فأما المؤمنون فقادمون على الرحمن وفدا في كرامة وحسن استقبال: «يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْدًا» .وأما المجرمون فمسوقون إلى جهنم وردا كما تساق القطعان. «وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْدًا» .ولا شفاعة يومئذ إلا لمن قدم عملا صالحا فهو عهد له عند اللّه يستوفيه.وقد وعد اللّه من آمن وعمل صالحا أن يجزيه الجزاء الأوفى،ولن يخلف اللّه وعدا.