عشرين ألف ميل في الساعة متجهة في اتجاه واحد نحو برج الجبار في السماء! أجل لو أنهم ألقوا بالهم إلى أنهم محمولون على هذه الهباءة السابحة التي تنهب الفضاء نهبا بهذه السرعة،معلقة في أجوازه بغير شيء إلا قدرة اللّه ..لظلوا أبدا معلقي القلوب والأبصار،واجفي الأرواح والأوصال،لا يركنون إلا للواحد القهار الذي وضع الأرض للأنام،وأقرهم عليها هذا الإقرار!! ولقد يسر لهم فيها الحياة،وهي تدور بهم حول نفسها وحول الشمس،وتركض مع الشمس وتوابعها بتلك السرعة المذهلة.وقدر فيها أقواتها التي يذكر منها هنا الفاكهة - ويخص منها النخل ذات الأكمام - (والكم كيس الطلع الذي ينشأ منه الثمر) ليشير إلى جمال هيئتها بجانب فائدة ثمرتها.ويذكر منها الحب ذا الورق والسيقان التي تعصف وتصير طعاما للماشية.ويذكر منها الريحان.النبات ذا الرائحة ..وهي ألوان من نبات الأرض شتى.منها ما هو طعام للإنسان ومنها ما هو طعام للدواب،ومنها ما هو روح للناس ومتاع.
وعند هذا المقطع من تعداد أنعم اللّه وآلائه:تعليم القرآن.وخلق الإنسان.وتعليمه البيان.وتنسيق الشمس والقمر بحسبان.ورفع السماء ووضع الميزان.ووضع الأرض للأنام.وما فيها من فاكهة ونخل وحب وريحان ..عند هذا المقطع يهتف بالجن والإنسان،في مواجهة الكون وأهل الكون: «فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ؟» ..وهو سؤال للتسجيل والإشهاد.فما يملك إنس ولا جان أن يكذب بآلاء الرحمن في مثل هذا المقام.
ثم ينتقل من الامتنان عليهما بآلاء اللّه في الكون،إلى الامتنان عليهما بآلائه في ذوات أنفسهما،وفي خاصة وجودهما وإنشائهما: «خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ.وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ ..فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ؟» ..
ونعمة الإيجاد والإنشاء أصل النعمة.والمسافة بين الوجود وعدم الوجود ابتداء مسافة لا تقاس أبعادها بأي مقياس مما يألفه البشر.فجميع المقاييس التي في أيدي البشر أو التي تدركها عقولهم،هي مقاييس للفارق بين موجود وموجود.أما المسافة بين الموجود وغير الموجود فلا تدركها مدارك البشر بحال! ونحسب الجن كذلك،فإن هم إلا خلق مقاييسه مقاييس المخلوقات! فحين يمتن اللّه على الجن والإنس بنعمة الإيجاد والإنشاء فإنما يمتن عليهما بالنعمة التي تفوق حد الإدراك.
ثم يقرر الحق سبحانه مادة خلق الإنس والجن،وهي كذلك من خلق اللّه.والصلصال:الطين إذا يبس وصار له صوت وصلصلة عند الضرب عليه.وقد تكون هذه حلقة في سلسلة النشأة من الطين أو من التراب.كما أنها قد تكون تعبيرا عن حقيقة الوحدة بين مادة الإنسان ومادة الأرض في عناصر التكوين.
«وقد أثبت العلم الحديث أن جسم الإنسان يحتوي من العناصر ما تحتويه الأرض.فهو يتكون من الكربون،والأكسيجين،والأيدروجين،والفوسفور،والكبريت،والآزوت،والكالسيوم،والبوتاسيوم،والصو