فهرس الكتاب

الصفحة 4508 من 4997

الدرس الرابع عشر:28 - 29 توكل المؤمن على الله ولا ناصر للكافرين

ولقد كانوا يتربصون بالنبي - صلى الله عليه وسلم - والحفنة المؤمنة التي معه أن يهلكوا فيستريحوا منهم وكانوا يتواصون بينهم بالصبر عليه حتى يوافيه الأجل،فتسكن هذه الزوبعة التي أثارتها الدعوة في صفوفهم.كما كانوا يتبجحون أحيانا فيزعمون أن اللّه سيهلك محمدا ومن معه لأنهم ضالون،ولأنهم يكذبون على اللّه فيما يقولون!

فهنا أمام مشهد الحشر والجزاء،ينبههم إلى أن أمنيتهم حتى لو تحققت لا تعصمهم هم من عاقبة الكفر والضلال.فأولى لهم أن يتدبروا أمرهم قبل هذا الموعد الذي واجههم به كأنه واقع بهم: «قُلْ:أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنا،فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ؟» ..

وهو سؤال يردهم إلى تدبر حالهم،والتفكير في شأنهم،وهو الأولى! فما ينفعهم أن تتحقق أمانيهم فيهلك اللّه النبي ومن معه - كما لا ينقذهم بطبيعة الحال أن يرحم اللّه نبيه ومن معه.واللّه باق لا يموت.وهو الذي ذرأهم في الأرض وإليه يحشرون ..

ولكنه لا يقول لهم:فمن يجيركم من عذاب أليم؟ ولا ينص على أنهم كافرون.إنما يلوح لهم بالعذاب الذي ينتظر الكافرين: «فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ» ..وهو أسلوب في الدعوة حكيم،يخوفهم من ناحية،ويدع لهم فرصة للتراجع عن موقفهم من ناحية.فلو جابههم بأنهم كافرون،وأنه لا مفر لهم من العذاب الأليم ..فربما جهلوا وحمقوا وأخذتهم العزة بالإثم أمام الاتهام المباشر والتهديد.ففي بعض الحالات يكون أسلوب التلميح أفعل في النفس من أسلوب التصريح! ثم يترقى من هذه التسوية بين الأمرين،إلى تقرير موقف المؤمنين من ربهم وثقتهم به وتوكلهم عليه،مع التلميح إلى اطمئنانهم لإيمانهم،وثقتهم بهداهم،وبأن الكافرين في ضلال مبين. «قُلْ:هُوَ الرَّحْمنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا.فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ» ..

وذكر صفة «الرَّحْمنُ» هنا يشير إلى رحمته العميقة الكبيرة برسوله والمؤمنين معه فهو لن يهلكهم كما يتمنى الكافرون أو كما يدعون.ويوجه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى إبراز الصلة التي تربطهم بربهم الرحمن.صلة الإيمان «آمَنَّا بِهِ» ..

وصلة التوكل «وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا» ..عليه وحده ..والتعبير يشي بالقربى بينهم وبين الرحمن.واللّه - سبحانه - هو الذي يتفضل على رسوله وعلى المؤمنين فيأذن له بإعلان هذه القربى،ويوجهه إلى هذا الإعلان.وكأنما ليقول له:لا تخف مما يقوله الكفار.فأنت ومن معك موصولون بي منتسبون إليّ.وأنت مأذون مني في أن تظهر هذه الكرامة،وهذا المقام! فقل لهم.وهذا ود من اللّه وتكريم ..

ثم ذلك التهديد الملفوف: «فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ» ..وهو أسلوب كذلك من شأنه أن يخلخل الإصرار على الجحود ويدعوهم إلى مراجعة موقفهم مخافة أن يكونوا هم الضالين! فيتعرضوا للعذاب الذي سبق ذكره في الآية: «فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ؟» وفي الوقت ذاته لا يجبههم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت