الحياة.ومن ثم لم يطلع اللّه أحدا من خلقه على موعده،لأنه لا مصلحة لهم في معرفته،ولا علاقة لهذا بطبيعة هذا اليوم وحقيقته،ولا أثر له في التكاليف التي يطالب الناس بها استعدادا لملاقاته،بل المصلحة والحكمة في إخفاء ميقاته عن الخلق كافة،واختصاص اللّه بعلم ذلك الموعد،دون الخلق جميعا: «قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ،وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ» .
وهنا يبرز بجلاء فارق ما بين الخالق والمخاليق.وتتجرد ذات اللّه ووحدانيته بلا شبيه ولا شريك.ويتمحض العلم له سبحانه.ويقف الخلق - بما فيهم الرسل والملائكة - في مقامهم متأدبين عند مقام الألوهية العظيم: « قُلْ:إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ.وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ» ..وظيفتي الإنذار،ومهمتي البيان.أما العلم فعند صاحب العلم الواحد بلا شريك.فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،قَالَ:كَانَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَوْمًا بَارِزًا لِلنَّاسِ،إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ يَمْشِي،فَقَالَ:يَا مُحَمَّدُ،مَا الإِيمَانُ ؟ قَالَ:أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ،وَمَلاَئِكَتِهِ،وَرُسُلِهِ،وَلِقَائِهِ،وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ الآخِرِ،قَالَ:يَا رَسُولَ اللهِ،فَمَا الإِسْلاَمُ ؟ قَالَ:لاَ تُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا،وَتُقِيمُ الصَّلاَةَ الْمَكْتُوبَةَ،وَتُؤَدِّي الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ،وَتَصُومُ رَمَضَانَ ،قَالَ:يَا مُحَمَّدُ،مَا الإِحْسَانُ ؟ قَالَ:أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ،فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ،قَالَ:يَا مُحَمَّدُ،فَمَتَى السَّاعَةُ ؟ قَالَ:مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ،وَسَأُحَدِّثُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا:إِذَا وَلَدَتِ الأَمَةُ رَبَّتَهَا،وَرَأَيْتَ الْعُرَاةَ الْحُفَاةَ رُؤُوسَ النَّاسِ.فِي خَمْسٍ لاَ يَعْلَمُهُنَّ إِلاَّ اللَّهُ: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} [لقمان:] الآيَةَ.ثُمَّ انْصَرَفَ الرَّجُلُ،فَالْتَمَسُوهُ فَلَمْ يَجِدُوهُ،فَقَالَ:ذَاكَ جِبْرِيلُ جَاءَ لِيُعَلِّمَ النَّاسَ دِينَهُمْ. [1]
وبينما هم يسألون في شك ويجابون في جزم،يخيل السياق القرآني كأن هذا اليوم الذي يسألون عنه قد جاء،والموعد الذي يشكون فيه قد حان وكأنما هم واجهوه الآن.فكان فيه ما كان: {فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ (27) } [الملك:27] فقد رأوه قريبا مواجها لهم حاضرا أمامهم دون توقع ودون تمهيد.فسيئت وجوههم،وبدا فيها الاستياء.
ووجه إليهم التأنيب: «وَقِيلَ:هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ» ..هذا هو حاضرا قريبا.وهو الذي كنتم تدعون أنه لن يكون! وهذه الطريقة في عرض ما سيكون تتكرر في القرآن،لمواجهة حالة التكذيب أو الشك بمفاجأة شعورية تصويرية تقف المكذب أو الشاك وجها لوجه مع مشهد حاضر لما يكذب به أو يشك فيه.ثم هي في الوقت ذاته تصور حقيقة.فهذا اليوم كائن في علم اللّه أما خط الزمن بينه وبين البشر فهو قائم بالقياس إلى البشر.وهي مسألة نسبية لا تمثل الحقيقة المجردة كما هي في حساب اللّه.ولو أذن اللّه لرأوه اللحظة كما هو في علم اللّه.فهذا الانتقال المفاجئ لهم من الدنيا إلى الآخرة،ومن موقف الشك والارتياب إلى موقف المواجهة والمفاجأة،يشير إلى حقيقة قائمة لو أذن اللّه بها لا نكشفت لهم.في الوقت الذي يصور لهم هذه الحقيقة تصويرا يهز مشاعرهم.
(1) - صحيح البخارى- المكنز [1 /97] (50 ) وصحيح مسلم- المكنز [1 /119] (106) وصحيح ابن حبان- ط2 مؤسسة الرسالة [1 /375] (159)