ويمضي في تصوير حال المنافقين،وسبب توليهم عن الإيمان بعد إذ شارفوه،فيتبين أنه تآمرهم مع اليهود،ووعدهم لهم بالطاعة فيما يدبرون: « إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ - مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى - الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلى لَهُمْ.ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ:سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ.وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ» ..
والتعبير يرسم معنى رجوعهم عن الهدى بعد ما تبين لهم،في صورة حركة حسية،حركة الارتداد على الأدبار.ويكشف ما وراءها من وسوسة الشيطان وتزيينه وإغرائه.فإذا ظاهر هذه الحركة وباطنها مكشوفان مفهومان! وهم المنافقون الذين يتخون ويتسترون! ثم يذكر السبب الذي جعل للشيطان عليهم هذا السلطان،وانتهى بهم إلى الارتداد على الأدبار بعد ما عرفوا الهدى وتبينوه:
«ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ» ..
واليهود في المدينة هم أول من كرهوا ما نزل اللّه لأنهم كانوا يتوقعون أن تكون الرسالة الأخيرة فيهم،وأن يكون خاتم الرسل منهم وكانوا يستفتحون على الذين كفروا ويوعدونهم ظهور النبي الذي يقودهم ويمكن لهم في الأرض،ويسترجع ملكهم وسلطانهم.فلما اختار اللّه آخر رسله من نسل إبراهيم،من غير يهود ،كرهوا رسالته.حتى إذا هاجر إلى المدينة كرهوا هجرته،التي هددت ما بقي لهم من مركز هناك.ومن ثم كانوا إلبا عليه منذ أول يوم،وشنوا عليه حرب الدس والمكر والكيد،حينما عجزوا عن مناصبته العداء جهرة في ميادين القتال وانضم إليهم كل حانق،وكل منافق،وظلت الحرب سجالا بينهم وبين رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - حتى أجلاهم في آخر الأمر عن الجزيرة كلها وخلصها للإسلام.
وهؤلاء الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم قالوا لليهود: «سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ» ..والأرجح أن ذلك كان في الدس والكيد والتآمر على الإسلام ورسول الإسلام. « وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ» .وهو تعقيب كله تهديد.فأين يذهب تآمرهم وإسرارهم وماذا يؤثر وهو مكشوف لعلم اللّه؟ معرض لقوة اللّه؟
ثم التهديد السافر بجند اللّه،والمتآمرون في نهاية الحياة: «فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ» ! وهو مشهد مفزع مهين.وهم يحتضرون.ولا حول لهم ولا قوة.وهم في نهاية حياتهم على هذه الأرض.وفي مستهل حياتهم الأخرى.هذه الحياة التي تفتتح بضرب الوجوه والأدبار.في لحظة الوفاة،لحظة الضيق والكرب والمخافة.الأدبار التي ارتدوا عليها من بعد ما تبين لهم الهدى! فيالها من مأساة! «ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللَّهَ،وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ،فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ» ..