فهرس الكتاب

الصفحة 4068 من 4997

وهي صورة خالدة لكل نفس خوارة لا تعتصم بإيمان،ولا بفطرة صادقة،ولا بحياء تتجمل به أمام الخطر.وهي هي طبيعة المرض والنفاق!

وبينما هم في هذا التخاذل والتهافت والانهيار تمتد إليهم يد الإيمان بالزاد الذي يقوي العزائم ويشد القوائم لو تناولوه في إخلاص: «فَأَوْلى لَهُمْ طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ.فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ» ..نعم.أولى لهم من هذه الفضيحة.ومن هذا الخور.ومن هذا الهلع.ومن هذا النفاق ..أولى لهم «طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ» ..طاعة تستسلم لأمر اللّه عن طمأنينة،وتنهض بأمره عن ثقة.وقول معروف يشي بنظافة الحس واستقامة القلب،وطهارة الضمير.وأولى لهم إذا عزم الأمر،وجد الجد،وواجهوا الجهاد أن يصدقوا اللّه.يصدقوه عزيمة،ويصدقوه شعورا.فيربط على قلوبهم،ويشد من عزائمهم،ويثبت أقدامهم،وييسر المشقة عليهم،ويهون الخطر الذي يتمثلونه غولا تفغر فاها لتلتهمهم! ويكتب لهم إحدى الحسنين:النجاة والنصر،أو الاستشهاد والجنة ..هذا هو الأولى.وهذا هو الزاد الذي يقدمه الإيمان فيقوي العزائم ويشد القوائم،ويذهب بالفزع،ويحل محله الثبات والاطمئنان.

وبينما هو يتحدث عنهم يلتفت إليهم مباشرة ليخاطبهم مقرعا مهددا بسوء العاقبة لو قادهم حالهم هذا إلى النكسة والتولي إلى الكفر وخلع ذلك الستار الرقيق من الإسلام: «فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ؟» ..وهذا التعبير .. «فَهَلْ عَسَيْتُمْ» ..يفيد ما هو متوقع من حال المخاطبين.ويلوح لهم بالنذير والتحذير ..

احذروا فإنكم منتهون إلى أن تعودوا إلى الجاهلية التي كنتم فيها.تفسدون في الأرض وتقطعون الأرحام،كما كان شأنكم قبل الإسلام ..

وبعد هذه اللفتة المفزعة المنذرة لهم يعود إلى الحديث عنهم لو انتهوا إلى هذا الذي حذرهم إياه: «أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ،فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ.أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها؟» .

أولئك الذين يظلون في مرضهم ونفاقهم حتى يتولوا عن هذا الأمر الذي دخلوا فيه بظاهرهم ولم يصدقوا اللّه فيه،ولم يستيقنوه. «أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ» ..وطردهم وحجبهم عن الهدى، «فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ» ..وهم لم يفقدوا السمع،ولم يفقدوا البصر ولكنهم عطلوا السمع وعطلوا البصر،أو عطلوا قوة الإدراك وراء السمع والبصر فلم يعد لهذه الحواس وظيفة لأنها لم تعد تؤدي هذه الوظيفة.ويتساءل في استنكار: «أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ» ..وتدبر القرآن يزيل الغشاوة،ويفتح النوافذ،ويسكب النور،ويحرك المشاعر،ويستجيش القلوب،ويخلص الضمير.وينشئ حياة للروح تنبض بها وتشرق وتستنير، «أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها؟» فهي تحول بينها وبين القرآن وبينها وبين النور؟ فإن استغلاق قلوبهم كاستغلاق الأقفال التي لا تسمح بالهواء والنور!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت