وهي صورة من حياة إنسان كريم رفيع جليل عظيم.يزاول إنسانيته في الوقت الذي يزاول فيه نبوته.فلا تفترق هذه عن تلك لأن القدر جرى بأن يكون بشرا رسولا،حينما جرى بأن يحمله الرسالة الأخيرة للبشر أو منهج الحياة الأخير.
إنها الرسالة الكاملة يحملها الرسول الكامل.ومن كمالها أن يظل الإنسان بها إنسانا.فلا تكبت طاقة من طاقاته البانية،ولا تعطل استعدادا من استعداداته النافعة وفي الوقت ذاته تهذبه وتربيه،وترتفع به إلى غاية مراقيه.
وكذلك فعل الإسلام بمن فقهوه وتكيفوا به،حتى استحالوا نسخا حية منه.وكانت سيرة نبيهم وحياته الواقعية،بكل ما فيها من تجارب الإنسان،ومحاولات الإنسان،وضعف الإنسان،وقوة الإنسان،مختلطة بحقيقة الدعوة السماوية،مرتقية بها خطوة خطوة - كما يبدو في سيرة أهله وأقرب الناس إليه - كانت هي النموذج العملي للمحاولة الناجحة،يراها ويتأثر بها من يريد القدوة الميسرة العملية الواقعية،التي لا تعيش في هالات ولا في خيالات!
وتحققت حكمة القدر في تنزيل الرسالة الأخيرة للبشر بصورتها الكاملة الشاملة المتكاملة.وفي اختيار الرسول الذي يطيق تلقيها وترجمتها في صورة حية.وفي جعل حياة هذا الرسول كتابا مفتوحا يقرؤه الجميع.وتراجعه الأجيال بعد الأجيال ...
وفي ظلال هذا الحادث الذي كان وقعه عميقا في نفوس المسلمين،يهيب القرآن بالذين آمنوا ليؤدوا واجبهم في بيوتهم من التربية والتوجيه والتذكير،فيقوا أنفسهم وأهليهم من النار.ويرسم لهم مشهدا من مشاهدها.وحال الكفار عندها.وفي ظلال الدعوة إلى التوبة التي وردت في سياق الحادث يدعو الذين آمنوا إلى التوبة،ويصور لهم الجنة التي تنتظر التائبين.ثم يدعو النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى جهاد الكفار والمنافقين ..
وهذا هو المقطع الثاني في السورة: « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نارًا،وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ،عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ،وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ.يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ،إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ،وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ،يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ،نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ،يَقُولُونَ:رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا،وَاغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ،وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ» ..
إن تبعة المؤمن في نفسه وفي أهله تبعة ثقيلة رهيبة.فالنار هناك وهو متعرض لها هو وأهله،وعليه أن يحول دون نفسه وأهله ودون هذه النار التي تنتظر هناك.إنها نار.فظيعة متسعرة:«وَقُودُهَا النَّاسُ