فهرس الكتاب

الصفحة 4476 من 4997

ومن هذه الحملة الضخمة الهائلة ندرك عمق الحادث وأثره في قلب رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - حتى احتاج الأمر إلى إعلان موالاة اللّه وجبريل وصالح المؤمنين.والملائكة بعد ذلك ظهير! ليطيب خاطر الرسول - صلى الله عليه وسلم - ويحس بالطمأنينة والراحة من ذلك الأمر الخطير! ولا بد أن الموقف في حس رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وفي محيطه كان من الضخامة والعمق والتأثير إلى الحد الذي يتناسب مع هذه الحملة.ولعلنا ندرك حقيقته من هذا النص ومما جاء في الرواية على لسان الأنصاري صاحب عمر - رضي اللّه عنهما - وهو يسأله:جاءت غسان؟ فيقول لا بل أعظم من ذلك وأطول.وغسان هي الدولة العربية الموالية للروم في الشام على حافة الجزيرة،وهجومها إذ ذاك أمر خطير.ولكن الأمر الآخر في نفوس المسلمين كان أعظم وأطول! فقد كانوا يرون أن استقرار هذا القلب الكبير،وسلام هذا البيت الكريم أكبر من كل شأن.وأن اضطرابه وقلقه أخطر على الجماعة المسلمة من هجوم غسان عملاء الروم! وهو تقدير يوحي بشتى الدلالات على نظرة أولئك الناس للأمور.وهو تقدير يلتقي بتقدير السماء للأمر،فهو إذن صحيح قويم عميق.وكذلك دلالة الآية التالية،وتفصيل صفات النساء اللواتي يمكن أن يبدل اللّه النبي بهن من أزواجه ولو طلقهن.

مع توجيه الخطاب للجميع في معرض التهديد: «عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ،مُؤْمِناتٍ،قانِتاتٍ،تائِباتٍ،عابِداتٍ،سائِحاتٍ،ثَيِّباتٍ وَأَبْكارًا» ..وهي الصفات التي يدعوهن إليها عن طريق الإيحاء والتلميح.

الإسلام الذي تدل عليه الطاعة والقيام بأوامر الدين.والإيمان الذي يعمر القلب،وعنه ينبثق الإسلام حين يصح ويتكامل.والقنوت وهو الطاعة القلبية.والتوبة وهي الندم على ما وقع من معصية والاتجاه إلى الطاعة.والعبادة وهي أداة الاتصال باللّه والتعبير عن العبودية له.والسياحة وهي التأمل والتدبر وللتفكر في إبداع اللّه والسياحة بالقلب في ملكوته.وهن - مع هذه الصفات - من الثيبات ومن الأبكار.كما أن نساءه الحاضرات كان فيهن الثيب وفيهن البكر.

وهو تهديد لهن لا بد كان له ما يقتضيه من تأثير مكايداتهن في قلب رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وما كان ليغضب من قليل! وقد رضيت نفس النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد نزول هذه الآيات،وخطاب ربه له ولأهل بيته.واطمأن هذا البيت الكريم بعد هذه الزلزلة،وعاد إليه هدوؤه بتوجيه اللّه سبحانه.وهو تكريم لهذا البيت ورعاية تناسب دوره في إنشاء منهج اللّه في الأرض وتثبيت أركانه.

وبعد فهذه صورة من الحياة البيتية لهذا الرجل الذي كان ينهض بإنشاء أمة،وإقامة دولة،على غير مثال معروف،وعلى غير نسق مسبوق.أمة تنهض بحمل أمانة العقيدة الإلهية في صورتها الأخيرة،وتنشئ في الأرض مجتمعا ربانيا،في صورة واقعية يتأسى بها الناس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت