فهرس الكتاب

الصفحة 4475 من 4997

تبدأ السورة بهذا العتاب من اللّه سبحانه لرسوله - صلى الله عليه وسلم -: «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ،تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ،وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ؟ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ،وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ،وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ» ..

وهو عتاب مؤثر موح.فما يجوز أن يحرم المؤمن على نفسه ما أحله اللّه له من متاع.والرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يكن حرم العسل أو مارية بمعنى التحريم الشرعي إنما كان قد قرر حرمان نفسه.فجاء هذا العتاب يوحي بأن ما جعله اللّه حلالا فلا يجوز حرمان النفس منه عمدا وقصدا إرضاء لأحد ..والتعقيب: «وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ» ..يوحي بأن هذا الحرمان من شأنه أن يستوجب المؤاخذة،وأن تتداركه مغفرة اللّه ورحمته.وهو إيحاء لطيف.

فأما اليمين التي يوحي النص بأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد حلفها،فقد فرض اللّه تحلتها.أي كفارتها التي يحل منها.ما دامت في غير معروف والعدول عنها أولى. «وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ» ..فهو يعينكم على ضعفكم وعلى ما يشق عليكم.ومن ثم فرض تحلة الأيمان،للخروج من العنت والمشقة .. «وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ» .يشرع لكم عن علم وعن حكمة،ويأمركم بما يناسب طاقتكم وما يصلح لكم.فلا تحرموا إلا ما حرم،ولا تحلوا غير ما أحل.وهو تعقيب يناسب ما قبله من توجيه.

ثم يشير إلى الحديث ولا يذكر موضوعه ولا تفصيله،لأن موضوعه ليس هو المهم،وليس هو العنصر الباقي فيه.إنما العنصر الباقي هو دلالته وآثاره: «وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا» ..

ومن النص نطلع على نموذج من تلك الفترة العجيبة في تاريخ البشرية.الفترة التي يعيش فيها الناس مع السماء.والسماء تتدخل في أمرهم علانية وتفصيلا.ونعلم أن اللّه قد أطلع نبيه على ما دار بين زوجيه بشأن ذلك الحديث الذي أسره إلى بعض أزواجه.وأنه - صلى الله عليه وسلم - حين راجعها فيه اكتفى بالإشارة إلى جانب منه.ترفعا عن السرد الطويل،وتجملا عن الإطالة في التفصيل وأنه أنبأها بمصدر علمه وهو المصدر الأصيل: «فلما نبأت به وأظهره اللّه عليه عرف بعضه وأعرض عن بعض.فلما نبأها به قالت:من أنبأك هذا؟ قال:نبأني العليم الخبير» ..

والإشارة إلى العلم والخبرة هنا إشارة مؤثرة في حالة التآمر والمكايدات المحبوكة وراء الأستار! ترد السائلة إلى هذه الحقيقة التي ربما نسيتها أو غفلت عنها،وترد القلوب بصفة عامة إلى هذه الحقيقة كلما قرأت هذا القرآن.

ويتغير السياق من الحكاية عن حادث وقع إلى مواجهة وخطاب للمرأتين كأن الأمر حاضر: «إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما.وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ» ..

وحين نتجاوز صدر الخطاب،ودعوتهما إلى التوبة لتعود قلوبهما فتميل إلى اللّه،فقد بعدت عنه بما كان منها ..حين نتجاوز هذه الدعوة إلى التوبة نجد حملة ضخمة هائلة وتهديدا رعيبا مخيفا ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت