فهرس الكتاب

الصفحة 3489 من 4997

وعند هذا الحد من تصوير تقلبات البشر وفق أهوائهم،وعدم انتفاعهم بآيات اللّه التي يرونها ماثلة في الكون من حولهم وعدم إدراكهم لحكمة اللّه من وراء ما يشهدونه من وقائع وأحداث ..عند هذا يتوجه بالخطاب إلى رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - يعزيه عن إخفاق جهوده في هداية الكثير منهم ويرد هذا إلى طبيعتهم التي لا حيلة له فيها،وانطماس بصيرتهم وعماها: «فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ،وَما أَنْتَ بِهادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ،إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ» ..

وهو يصورهم موتى لا حياة فيهم،صما لا سمع لهم،عميا لا يهتدون إلى طريق ..والذي ينفصل حسه عن الوجود فلا يدرك نواميسه وسننه ميت لا حياة فيه.إنما هي حياة حيوانية،بل أضل وأقل،فالحيوان مهدي بفطرته التي قلما تخونه! والذي لا يستجيب لما يسمع من آيات اللّه ذات السلطان النافذ في القلوب أصم ولو كانت له أذنان تسمعان ذبذبة الأصوات! والذي لا يبصر آيات اللّه المبثوثة في صفحات الوجود أعمى ولو كانت له عينان كالحيوان! «إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ» ..وهؤلاء هم الذين يسمعون الدعوة،لأن قلوبهم حية،وبصائرهم مفتوحة،وإدراكهم سليم.فهم يسمعون فيسلمون.ولا تزيد الدعوة على أن تنبه فطرتهم فتستجيب.

الدرس السابع:54 - 57 رحلة الإنسان بين الولادة والموت والبعث

بعد ذلك يعود السياق ليجول بهم جولة جديدة،لا في مشاهد الكون من حولهم،ولكن في ذوات أنفسهم،وفي أطوار نشأتهم على هذه الأرض ويمتد بالجولة إلى نهايتها هنالك في الحياة الأخرى.في ترابط بين الحياتين وثيق: «اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ،ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً - يَخْلُقُ ما يَشاءُ - وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ.وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ.كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ.وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ:لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ،فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ،وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ.فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ» ..

إنها جولة مديدة،يرون أوائلها في مشهود حياتهم ويرون أواخرها مصورة تصويرا مؤثرا كأنها حاضرة أمامهم.وهي جولة موحية لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

« اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ» ..ولم يقل خلقكم ضعافا أو في حالة ضعف إنما قال: «خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ» كأن الضعف مادتهم الأولى التي صيغ منها كيانهم ..والضعف الذي تشير الآية إليه ذو معان ومظاهر شتى في تكوين هذا الإنسان.

إنه ضعف البنية الجسدية الممثل في تلك الخلية الصغيرة الدقيقة التي ينشأ منها الجنين.ثم في الجنين وأطواره وهو فيها كلها واهن ضعيف.ثم في الطفل والصبي حتى يصل إلى سن الفتوة وضلاعة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت