التكوين.ثم هو ضعف المادة التي ذرأ منها الإنسان.الطين.الذي لولا نفخة من روح اللّه لظل في صورته المادية أو في صورته الحيوانية،وهي بالقياس إلى الخلقة الإنسانية ضعيفة ضعيفة.
ثم هو ضعف الكيان النفسي أمام النوازع والدفعات،والميول والشهوات،التي لولا النفخة العلوية وما خلقت في تلك البنية من عزائم واستعدادات،لكان هذا الكائن أضعف من الحيوان المحكوم بالإلهام: «اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً» ..قوة بكل تلك المعاني التي جاءت في الحديث عن الضعف.قوة في الكيان الجسدي،وفي البناء الإنساني،وفي التكوين النفسي والعقلي.
«ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً» ..ضعفا في الكيان الإنساني كله.فالشيخوخة انحدار إلى الطفولة بكل ظواهرها.وقد يصاحبها انحدار نفسي ناشئ من ضعف الإرادة حتى ليهفو الشيخ أحيانا كما يهفو الطفل،ولا يجد من إرادته عاصما.ومع الشيخوخة الشيب،يذكر تجسيما وتشخيصا لهيئة الشيخوخة ومنظرها.
وإن هذه الأطوار التي لا يفلت منها أحد من أبناء الفناء،والتي لا تتخلف مرة فيمن يمد له في العمر،ولا تبطئ مرة فلا تجيء في موعدها المضروب.إن هذه الأطوار التي تتعاور تلك الخليقة البشرية لتشهد بأنها في قبضة مدبرة،تخلق ما تشاء،وتقدر ما تشاء،وترسم لكل مخلوق أجله وأحواله وأطواره،وفق علم وثيق وتقدير دقيق: «يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ» ..
ولا بد لهذه النشأة المحكمة المقدرة من نهاية كذلك مرسومة مقدرة.هذه النهاية يرسمها في مشهد من مشاهد القيامة،حافل بالحركة والحوار على طريقة القرآن: «وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ» ..فهكذا يتضاءل في حسهم كل ما وراءهم قبل هذا اليوم،فيقسمون:ما لبثوا غير ساعة.ويحتمل أن يكون قسمهم منصبا على مدة لبثهم في القبور،كما يحتمل أن يكون ذلك عن لبثهم في الأرض أحياء وأمواتا. «كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ» ويصرفون عن الحق والتقدير الصحيح حتى يردهم أولو العلم الصحيح إلى التقدير الصحيح: «وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ:لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ.فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ.وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ» ..
وأولو العلم هؤلاء هم في الغالب المؤمنون،الذين آمنوا بالساعة،وأدركوا ما وراء ظاهر الحياة الدنيا،فهم أهل العلم الصحيح وأهل الإيمان البصير.وهم يردون الأمر هنا إلى تقدير اللّه وعلمه «لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ» ..فهذا هو الأجل المقدور،ولا يهم طويلا كان أم كان قصيرا.فقد كان ذلك هو الموعد،وقد تحقق: «فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ» ..
ثم يختم المشهد بالنتيجة الكلية في إجمال يصور ما وراءه مما لحق بالظالمين الذين كانوا يكذبون بيوم الدين: « فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ» ..فلا معذرة منهم تقبل ولا يعتب عليهم أحد فيما فعلوه،أو يطلب إليهم الاعتذار.فاليوم يوم العقاب لا يوم العتاب!.