وهو سؤال للتهكم والسخرية من زعمهم أنهم يعبدون تماثيل الملائكة ليقربوهم إلى اللّه زلفى! «أَوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ؟» ..يعقبه تقرير جازم بأن للّه الشفاعة جميعا.فهو الذي يأذن بها لمن يشاء على يد من شاء.فهل مما يؤهلهم للشفاعة أن يتخذوا من دون اللّه شركاء؟! «لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ» ..فليس هنا لك خارج على إرادته في هذا الملك .. «ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» ..فلا مهرب ولا مفر من الرجوع إليه وحده في نهاية المطاف ..
وفي هذا الموقف الذي يتفرد فيه اللّه سبحانه بالملك والقهر يعرض كيف هم ينفرون من كلمة التوحيد ويهشون لكلمة الشرك،الذي ينكره كل ما حولهم في الوجود: «وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ،وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ» .
والآية تصف واقعة حال على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - حين كان المشركون يهشون ويبشون إذا ذكرت آلهتهم وينقبضون وينفرون إذا ذكرت كلمة التوحيد.ولكنها تصف حالة نفسية تتكرر في شتى البيئات والأزمان.فمن الناس من تشمئز قلوبهم وتنقبض نفوسهم كلما دعوا إلى اللّه وحده إلها،وإلى شريعة اللّه وحدها قانونا،وإلى منهج اللّه وحده نظاما.حتى إذا ذكرت المناهج الأرضية والنظم الأرضية والشرائع الأرضية هشوا وبشوا ورحبوا بالحديث،وفتحوا صدورهم للأخذ والرد.هؤلاء هم بعينهم الذين يصور اللّه نموذجا منهم في هذه الآية،وهم بذاتهم في كل زمان ومكان.هم الممسوخو الفطرة،المنحرفو الطبيعة،الضالون المضلون،مهما تنوعت البيئات والأزمنة،ومهما تنوعت الأجناس والأقوام.والجواب على هذا المسخ والانحراف والضلال هو ما لقنه اللّه لرسوله - صلى الله عليه وسلم - في مواجهة مثل هذه الحال: «قُلِ:اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ،عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ،أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ» ..
إنه دعاء الفطرة التي ترى السماء والأرض ويتعذر عليها أن تجد لها خالقا إلا اللّه فاطر السماوات والأرض،فتتجه إليه بالاعتراف والإقرار.وتعرفه بصفته اللائقة بفاطر السماوات والأرض. «عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ» المطلع على الغائب والحاضر،والباطن والظاهر. «أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ» ..فهو وحده الحكم يوم يرجعون إليه.وهم لا بد راجعون.
الدرس الخامس:47 - 48 مفاجأة الكفار بالعذاب في الآخرة
وبعد هذا التلقين يعرض حالهم المفزعة يوم يرجعون للحكم بينهم فيما كانوا فيه يختلفون: « وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ،وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ.وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ» ..