فهرس الكتاب

الصفحة 594 من 4997

كذلك لا يحابيها - كما زعمت يهود عن ربها - ولا يتركها سدى: «لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها،لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ» ..

وقد تضمنت السورة بعض قصص بني إسرائيل وما أنعم اللّه عليهم به من فضل وما قابلوا به هذا الفضل من جحود وما كلفهم من كفارات بلغ بعضها حد القتل: «فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ» ..وفي ختامها يرد ذلك الدعاء الخاشع من المؤمنين: «رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا.رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْرًا كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا.رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ.وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا » .

وقد فرض في السورة على المؤمنين القتال وأمروا بالجهاد والإنفاق في سبيل اللّه لدفع الكفر والكافرين وهي تختم بالتجاء المؤمنين إلى ربهم يستمدون منه العون على ما كلفهم،والنصر على عدوهم: «أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ» .

إنه الختام الذي يلخص ويشير ويتناسق مع خط السورة الأصيل ..

وفي هاتين الآيتين كل كلمة لها موضعها،ولها دورها،ولها دلالتها الضخمة.وهي قائمة في العبارة لتمثيل ما وراءها - وهو كبير - من حقائق العقيدة ..من طبيعة الإيمان في هذا الدين وخصائصه وجوانبه.ومن حال المؤمنين به مع ربهم،وتصورهم لما يريده - سبحانه - بهم،وبالتكاليف التي يفرضها عليهم.ومن التجائهم إلى كنفه واستسلامهم لمشيئته وارتكانهم إلى عونه ..نعم ..كل كلمة لها دورها الضخم.بصورة عجيبة.عجيبة حتى في نفس من عاش في ظلال القرآن،وعرف شيئا من أسرار التعبير فيه وطالع هذه الأسرار في كل آية من آياته!

فلننظر في هذه النصوص بشيء من التفصيل: «آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ.كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ.لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ.وَقالُوا:سَمِعْنا وَأَطَعْنا.غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ» ..

إنها صورة للمؤمنين،للجماعة المختارة التي تمثلت فيها حقيقة الإيمان فعلا.ولكل جماعة تتمثل فيها هذه الحقيقة الضخمة ..ومن ثم كرمها اللّه - سبحانه - وهو يجمعها - في حقيقة الإيمان الرفيعة - مع الرسول - - صلى الله عليه وسلم - وهو تكريم تدرك الجماعة المؤمنة حقيقته لأنها تدرك حقيقة الرسول الكبيرة وتعرف أي مرتقى رفعها اللّه إليه عنده،وهو يجمع بينها وبين الرسول - صلى الله عليه وسلم - في صفة واحدة،في آية واحدة،من كلامه الجليل: «آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ» ..

وإيمان الرسول بما أنزل من ربه هو إيمان التلقي المباشر.تلقي قلبه النقي للوحي العلي.واتصاله المباشر بالحقيقة المباشرة.الحقيقة التي تتمثل في كيانه بذاتها من غير كد ولا محاولة وبلا أداة أو واسطة.وهي درجة من الإيمان لا مجال لوصفها فلا يصفها إلا من ذاقها،ولا يدركها من الوصف - على حقيقتها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت