هذه السورة في عمومها كأنها منظومة موسيقية علوية،منغمة،يسري التنغيم في بنائها اللفظي كما يسري في إيقاع فواصلها الموزونة المقفاة.ويلحظ هذا التنغيم في السورة بصفة عامة ويبدو القصد فيه واضحا في بعض المواضع وقد زيدت لفظة أو اختيرت قافية،لتضمن سلامة التنغيم ودقة إيقاعه - إلى جانب المعنى المقصود الذي تؤديه في السياق كما هي عادة التعبير القرآني - مثل ذلك قوله: «أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى.وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى » ..فلو قال ومناة الأخرى ينكسر الوزن.ولو قال:ومناة الثالثة فقط يتعطل إيقاع القافية.
ولكل كلمة قيمتها في معنى العبارة.ولكن مراعاة الوزن والقافية كذلك ملحوظة.ومثلها كلمة «إِذًا» في وزن الآيتين بعدها: «أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى ؟ تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزى !» فكلمة «إِذًا» ضرورية للوزن.وإن كانت - مع هذا - تؤدي غرضا فنيا في العبارة ...وهكذا.
ذلك الإيقاع ذو لون موسيقي خاص.لون يلحظ فيه التموج والانسياب.وبخاصة في المقطع الأول والمقطع الأخير من السورة.وهو يتناسق بتموجه وانسيابه مع الصور والظلال الطليقة المرفرفة في المقطع الأول.ومع المعاني واللمسات العلوية في المقطع الأخير.وما بينهما مما هو قريب منهما في الجو والموضوع.
والصور والظلال في المقطع الأول،تشع من المجال العلوي الذي تقع فيه الأحداث النورانية والمشاهد الربانية التي يصفها هذا المقطع.ومن الحركات الطليقة للروح الأمين وهو يتراءى للرسول الكريم ..والصور والظلال والحركات والمشاهد والجو الروحي المصاحب،تستمد وتمد ذلك الإيقاع التعبيري وتمتزج به،وتتناسق معه،وتتراءى فيه،في توافق منغم عجيب.
ثم يعم ذلك العبق جو السورة كله،ويترك آثاره في مقاطعها التالية،حتى تختم بإيقاع موح شديد الإيحاء مؤثر عميق التأثير.ترتعش له كل ذرة في الكيان البشري وترف معه وتستجيب.
وموضوع السورة الذي تعالجه هو موضوع السور المكية على الإطلاق:العقيدة بموضوعاتها الرئيسية:الوحي والوحدانية والآخرة.والسورة تتناول الموضوع من زاوية معينة تتجه إلى بيان صدق الوحي بهذه العقيدة ووثاقته،ووهن عقيدة الشرك وتهافت أساسها الوهمي الموهون!
والمقطع الأول في السورة يستهدف بيان حقيقة الوحي وطبيعته،ويصف مشهدين من مشاهده،ويثبت صحته وواقعيته في ظل هذين المشهدين ويؤكد تلقي الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن جبريل - عليه السلام - تلقي رؤية وتمكن ودقة،واطلاعه على آيات ربه الكبرى.