وهذه هي الحقيقة التي كان المشركون يعجبون ذلك العجب من إصرار محمد - صلى الله عليه وسلم - عليها ويحاورونه فيها ويداورونه،ويعجبون الناس منه ومنها،ويصرفونهم عنها بكل وسيلة.
وقد مضوا بعد هذا يعجبون من اختياره - صلى الله عليه وسلم - ليكون رسولا: «أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا؟» ..وما كان في هذا من غرابة.ولكنه كان الحسد.الحسد الذي يدعو إلى العناد والمكابرة والشقاق.
عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ:حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ قَالَ:حُدِّثْتُ أَنَّ أَبَا جَهْلٍ،وَأَبَا سُفْيَانَ،وَالْأَخْنَسَ بْنَ شَرِيقٍ،خَرَجُوا لَيْلَةً لِيَسْتَمِعُوا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ فِي بَيْتِهِ،وَأَخَذَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ مَجْلِسًا لِيَسْتَمِعَ فِيهِ،وَكُلٌّ لَا يَعْلَمُ بِمَكَانِ صَاحِبِهِ،فَبَاتُوا يَسْتَمِعُونَ لَهُ حَتَّى إِذَا أَصْبَحُوا وَطَلَعَ الْفَجْرُ تَفَرَّقُوا،فَجَمَعَتْهُمُ الطَّرِيقُ فَتَلَاوَمُوا،وَقَالَ:بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ:لَا تَعُودُوا فَلَوْ رَآكُمْ بَعْضُ سُفَهَائِكُمْ لَأَوقَعْتُمْ فِي نَفْسِهِ شَيْئًا , ثُمَّ انْصَرَفُوا حَتَّى إِذَا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الثَّانِيَةُ عَادَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ إِلَى مَجْلِسِهِ،فَبَاتُوا يَسْتَمِعُونَ لَهُ حَتَّى إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ تَفَرَّقُوا،فَجَمَعَتْهُمُ الطَّرِيقُ،فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ مِثْلَ مَا قَالُوا أَوَّلَ مَرَّةٍ ., ثُمَّ انْصَرَفُوا فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الثَّالِثَةُ أَخَذَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ مَجْلِسَهُ،فَبَاتُوا يَسْتَمِعُونَ لَهُ حَتَّى إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ تَفَرَّقُوا،فَجَمَعَتْهُمُ الطَّرِيقُ،فَقَالُوا:لَا نَبْرَحُ حَتَّى نَتَعَاهَدَ لَا نَعُودُ،فَتَعَاهَدُوا عَلَى ذَلِكَ،ثُمَّ تَفَرَّقُوا فَلَمَّا أَصْبَحَ الْأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ أَخَذَ عَصَاهُ , ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى أَتَى أَبَا سُفْيَانَ فِي بَيْتِهِ فَقَالَ:أَخْبِرْنِي يَا أَبَا حَنْظَلَةَ عَنْ رَأْيِكَ فِيمَا سَمِعْتَ مِنْ مُحَمَّدٍ فَقَالَ:يَا أَبَا ثَعْلَبَةَ وَاللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ أَشْيَاءَ أَعْرِفُهَا وَأَعْرِفُ مَا يُرَادُ بِهَا .فَقَالَ الْأَخْنَسُ:وَأَنَا وَالَّذِي حَلَفْتُ بِهِ , ثُمَّ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ حَتَّى أَتَى أَبَا جَهْلٍ،فَدَخَلَ عَلَيْهِ بَيْتَهُ فَقَالَ:يَا أَبَا الْحَكَمِ مَا رَأْيُكَ فِيمَا سَمِعْتَ مِنْ مُحَمَّدٍ ؟ فَقَالَ:مَاذَا سَمِعْتَ ؟ تَنَازَعْنَا نَحْنُ وَبَنُو عَبْدِ مَنَافٍ الشَّرَفَ ؛ أَطْعَمُوا فَأَطْعَمْنَا،وَحَمَلُوا فَحَمَلْنَا،وَأَعْطَوْا فَأَعْطَيْنَا حَتَّى إِذَا تَجَاثَيْنَا عَلَى الرُّكَبِ وَكُنَّا كَفَرَسَيْ رِهَانٍ قَالُوا:مِنَّا نَبِيٌّ يَأْتِيهِ الْوَحْيُ مِنَ السَّمَاءِ،فَمَتَى نُدْرِكُ هَذِهِ ؟ وَاللَّهِ لَا نُؤْمِنُ بِهِ أَبَدًا،وَلَا نُصَدِّقُهُ،فَقَامَ عَنْهُ الْأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ" [1] .."
فهو الحسد كما نرى.يقعد بأبي جهل عن الاعتراف بالحق الذي غالب نفسه عليه فغلبته ثلاث ليال! هو الحسد أن يكون محمد قد بلغ إلى ما لا مطمع فيه لطامع.وهو السر في قولة من كانوا يقولون:
«أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا؟» ..وهم الذين كانوا يقولون: «لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ» ..يقصدون بالقريتين مكة والطائف،وفيهما كان كبراء المشركين وعظماؤهم الحاكمون المسودون الذين كانوا يتطلعون إلى السيادة عن طريق الدين،كلما سمعوا أن نبيا جديدا قد
(1) -دَلَائِلُ النُّبُوَّةِ لِلْبَيْهَقِيِّ ( 511 ) صحيح مرسل