وهذا الدرس الأخير في السورة يمضي في جدل حول عقائد الشرك وحول إنكار البعث.ويعرض في مشاهد القيامة مصائر البشر في مواقف حية حافلة بالحركة والانفعال،يشارك فيها الكون كله،سماواته وأرضه،إنسه وجنه،مؤمنوه وكافروه.
ويتنقل السياق بمشاهد بين الدنيا والآخرة،فإذا هما متصلتان.تعرض المقدمة هنا في هذه الأرض،وتعرض نتيجتها هنالك في العالم الآخر،فلا تتجاوز المسافة بضع آيات أو بضع كلمات.مما يلقي في الحس أن العالمين متصلان مرتبطان متكاملان.
«وَيَقُولُ الْإِنْسانُ:أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا؟ أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا؟ فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ،ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا.ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا.ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا.وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا.ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا» .
يبدأ المشهد بذكر ما يقوله «الْإِنْسانُ» عن البعث.ذلك أن هذه المقولة قالتها صنوف كثيرة من البشر في عصور مختلفة فكأنما هي شبهة «الْإِنْسانُ» واعتراضه المتكرر في جميع الأجيال: «وَيَقُولُ الْإِنْسانُ:أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا؟» ..وهو اعتراض منشؤه غفلة الإنسان عن نشأته الأولى.فأين كان؟ وكيف كان؟ إنه لم يكن ثم كان والبعث أقرب إلى التصور من النشأة الأولى لو أنه تذكر: «أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا؟» .
ثم يعقب على هذا الإنكار والاستنكار بقسم تهديدي.يقسم اللّه تعالى بنفسه وهو أعظم قسم وأجله أنهم سيحشرون - بعد البعث فهذا أمر مفروغ منه: « فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ» ..ولن يكونوا وحدهم.فلنحشرنهم «وَالشَّياطِينَ» فهم والشياطين سواء.والشياطين هم الذين يوسوسون بالإنكار،وبينهما صلة التابع والمتبوع،والقائد والمقود ..وهنا يرسم لهم صورة حسية وهم جاثون حول جهنم جثّو الخزي والمهانة: «ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا» ..وهي صورة رهيبة وهذه الجموع التي لا يحصيها العد محشورة محضرة إلى جهنم جاثية حولها،تشهد هولها ويلفحها حرها،وتنتظر في كل لحظة أن تؤخذ فتلقى فيها.وهم جاثون على ركبهم في ذلة وفزع ..وهو مشهد ذليل للمتجبرين المتكبرين،يليه مشهد النزع والجذب لمن كانوا أشد عتوا وتجبرا: «ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا» ..وفي اللفظ تشديد،ليرسم بظله وجرسه صورة لهذا الانتزاع تتبعها صورة القذف في النار،وهي الحركة التي يكملها الخيال! وإن اللّه ليعلم من هم أولى بأن يصلوها،فلا يؤخذ أحد جزافا من هذه الجموع التي لا تحصى.والتي أحصاها اللّه فردا فردا: «ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا» ..فهم المختارون ليكونوا طليعة المقذوفين! وإن المؤمنين ليشهدون العرض الرهيب: «وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا» فهم يردون فيدنون ويمرون بها