فهرس الكتاب

الصفحة 1746 من 4997

أخرج مسلم عَنْ أَبِى مُوسَى قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فِى سَفَرٍ فَجَعَلَ النَّاسُ يَجْهَرُونَ بِالتَّكْبِيرِ فَقَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - « أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِنَّكُمْ لَيْسَ تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلاَ غَائِبًا إِنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا وَهُوَ مَعَكُمْ » . قَالَ وَأَنَا خَلْفَهُ وَأَنَا أَقُولُ لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ فَقَالَ « يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ أَلاَ أَدُلُّكَ عَلَى كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ » . فَقُلْتُ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ « قُلْ لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ » . [1] ..

فهذا الحس الإيماني بجلال اللّه وقربه معا،هو الذي يؤكده المنهج القرآني هنا ويقرره في صورته الحركية الواقعية عند الدعاء. ذلك أن الذي يستشعر جلاله فعلا يستحيي من الصياح في دعائه والذي يستشعر قرب اللّه حقا لا يجد ما يدعو إلى هذا الصياح! وفي ظل مشهد التضرع في الدعاء،وهيئة الخشوع والانكسار فيه للّه،ينهى عن الاعتداء على سلطان اللّه،فيما يدعونه لأنفسهم - في الجاهلية - من الحاكمية التي لا تكون إلا للّه. كما ينهى عن الفساد في الأرض بالهوى،وقد أصلحها اللّه بالشريعة .. والنفس التي تتضرع وتخشع خفية للقريب المجيب،لا تعتدي كذلك ولا تفسد في الأرض بعد إصلاحها .. فبين الانفعالين اتصال داخلي وثيق في تكوين النفس والمشاعر. والمنهج القرآني يتبع خلجات القلوب وانفعالات النفوس. وهو منهج من خلق الذي يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير.

«وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا» ..خوفا من غضبه وعقابه. وطمعا في رضوانه وثوابه.

«إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ» ..الذين يعبدون اللّه كأنهم يرونه،فإن لم يكونوا يرونه فهو يراهم .. كما جاء في الوصف النبوي للإحسان.

الدرس الثالث:57 فعل الله في الرياح والأمطار والثمار

ومرة أخرى يفتح السياق للقلب البشري صفحة من صفحات الكون المعروضة للأنظار ولكن القلوب تمر بها غافلة بليدة لا تسمع نطقها،ولا تستشعر إيقاعها .. إنها صفحة يفتحها على ذكر رحمة اللّه في الآية السابقة نموذجا لرحمة اللّه في صورة الماء الهاطل،والزرع النامي،والحياة النابضة بعد الموت والخمود: «وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ،بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ،حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحابًا ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ،فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ،فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ .. كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ» ..

إنها آثار الربوبية في الكون. آثار الفاعلية والسلطان والتدبير والتقدير. وكلها من صنع اللّه الذي لا ينبغي أن يكون للناس رب سواه. وهو الخالق الرازق بهذه الأسباب التي ينشئها برحمته للعباد.

وفي كل لحظة تهب ريح. وفي كل وقت تحمل الريح سحابا. وفي كل فترة ينزل من السحاب ماء.

ولكن ربط هذا كله بفعل اللّه - كما هو في الحقيقة - هو الجديد الذي يعرضه القرآن هذا العرض المرتسم في المشاهد المتحركة،كأن العين تراه.

(1) - صحيح مسلم- المكنز - (7037 ) -اربع:ارفق بنفسك واخفض صوتك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت