فهرس الكتاب

الصفحة 2904 من 4997

«وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ،وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَؤُسًا» ..

والنعمة تطغى وتبطر ما لم يذكر الإنسان واهبها فيحمد ويشكر،والشدة تيئس وتقنط ما لم يتصل الإنسان باللّه،فيرجو ويأمل،ويطمئن إلى رحمة اللّه وفضله،فيتفاءل ويستبشر.

ومن هنا تتجلى قيمة الإيمان وما فيه من رحمة في السراء والضراء سواء.

ثم يقرر السياق أن كل فرد وكل فريق يعمل وفق طريقته واتجاهه والحكم على الاتجاهات والأعمال موكول للّه: « قُلْ:كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلًا» ..

الدرس الخامس:85 - 87 الروح من أمر الله وإثبات الوحي

وفي هذا التقرير تهديد خفي،بعاقبة العمل والاتجاه،ليأخذ كل حذره،ويحاول أن يسلك سبيل الهدى ويجد طريقه إلى اللّه.وراح بعضهم يسأل الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن الروح ما هو؟ والمنهج الذي سار عليه القرآن - وهو المنهج الأقوم - أن يجيب الناس عما هم في حاجة إليه،وما يستطيع إدراكهم البشري بلوغه ومعرفته فلا يبدد الطاقة العقلية التي وهبها اللّه لهم فيما لا ينتج ولا يثمر،وفي غير مجالها الذي تملك وسائله وتحيط به.فلما سألوه عن الروح أمره اللّه أن يجيبهم بأن الروح من أمر اللّه،اختص بعلمه دون سواه: «وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ.قُلِ:الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي.وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا » [1] .

وليس في هذا حجر على العقل البشري أن يعمل.ولكن فيه توجيها لهذا العقل أن يعمل في حدوده وفي مجاله الذي يدركه.فلا جدوى من الخبط في التيه،ومن إنفاق الطاقة فيما لا يملك العقل إدراكه لأنه لا يملك وسائل إدراكه.والروح غيب من غيب اللّه لا يدركه سواه،وسر من أسراره القدسية أودعه هذا المخلوق البشري وبعض الخلائق التي لا نعلم حقيقتها.وعلم الإنسان محدود بالقياس إلى

(1) - في الأرجح أن هذا السؤال جاء من أهل الكتاب وأن هذه الآية مدنية هي وسبع آيات بعدها. (السيد رحمه الله )

قلت:جاءت روايات متعددة بذلك، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ بَيْنَا أَنَا أَمْشِى مَعَ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فِى خَرِبِ الْمَدِينَةِ،وَهُوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى عَسِيبٍ مَعَهُ،فَمَرَّ بِنَفَرٍ مِنَ الْيَهُودِ،فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ لاَ تَسْأَلُوهُ لاَ يَجِىءُ فِيهِ بِشَىْءٍ تَكْرَهُونَهُ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَنَسْأَلَنَّهُ . فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقَالَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ،مَا الرُّوحُ فَسَكَتَ . فَقُلْتُ إِنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ . فَقُمْتُ،فَلَمَّا انْجَلَى عَنْهُ،قَالَ ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى وَمَا أُوتُوا مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا ) . قَالَ الأَعْمَشُ هَكَذَا فِى قِرَاءَتِنَا .

صحيح البخارى- المكنز [1 /225] (125 ) وصحيح مسلم- المكنز [18 /56] (7237 ) العسيب:العصا من جريد النخل

وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،قَالَ:قَالَتْ قُرَيْشٌ لِلْيَهُودِ:أَعْطُونَا شَيْئًا نَسْأَلُ عَنْهُ هَذَا الرَّجُلَ،فَقَالُوا:سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ،فَسَأَلُوهُ،فَنَزَلَتْ: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا} [الإسراء:] ،فَقَالُوا:لَمْ نُؤْتَ مِنَ الْعِلْمِ نَحْنُ إِلاَّ قَلِيلًا،وَقَدْ أُوتِينَا التَّوْرَاةَ،وَمَنْ يُؤْتَ التَّوْرَاةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ؟ فَنَزَلَتْ: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي} [الكهف:] الآيَةَ.صحيح ابن حبان [1 /301] ( 99) صحيح

قال السندي:قد صح أن اليهود سألوه عنه بأنفسهم، ويمكن الجواب بأنه لا منافاة بين تعدد أسباب النزول، فيمكن أنها نزلت بعد السؤالين جميعًا، وقوله"قالوا:أوتينا..."أي:قالت اليهود، قالوا ذلك إما لحملهم قوله: (وما أوتيتم من العلم إلا قليلًا) على عموم الخطاب، أو لعدهم أنفسهم السائلين، وزعموا أن هذا الخطاب مناسب بهم لأن المشركين ليسوا من أهل العلم.مسند أحمد ط الرسالة [4 /155]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت