قل يا محمد للناس: «إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا» ..وهذا الإعلان يجيء بعد إعلان الجن لقومهم: «وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَدًا» ..فيكون له طعمه وله إيقاعه.فهي كلمة الإنس والجن،يتعارفان عليها.فمن شذ عنها كالمشركين فهو يشذ عن العالمين.
الدرس السابع:21 - 24 اعتراف الرسول بعجزه عن النفع والضر وحرصه على التبليغ وجعل الامور بيد الله
«قُلْ:إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا» ..يؤمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يتجرد،ويؤمر أن ينفض يديه من كل ادعاء لشيء هو من خصائص اللّه الواحد الذي يعبده ولا يشرك به أحدا.فهو وحده الذي يملك الضر ويملك الخير.ويجعل مقابل الضر الرشد،وهو الهداية،كما جاء التعبير في مقالة الجن من قبل: «وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا» ..فيتطابق القولان في اتجاههما وفي ألفاظهما تقريبا،وهو تطابق مقصود في القصة والتعقيب عليها،كما يكثر هذا في الأسلوب القرآني ..
وبهذا وذلك يتجرد الجن - وهو موضع الشبهة في المقدرة على النفع والضر - ويتجرد النبي - صلى الله عليه وسلم - وتتفرد الذات الإلهية بهذا الأمر.ويستقيم التصور الإيماني على هذا التجرد الكامل الصريح الواضح.
«قُلْ:إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا.إِلَّا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسالاتِهِ ...» ..
وهذه هي القولة الرهيبة،التي تملأ القلب بجدية هذا الأمر ..أمر الرسالة والدعوة ..والرسول - صلى الله عليه وسلم - يؤمر بإعلان هذه الحقيقة الكبيرة ..إني لن يجيرني من اللّه أحد،ولن أجد من دونه ملجأ أو حماية،إلا أن أبلغ هذا الأمر،وأؤدي هذه الأمانة،فهذا هو الملجأ الوحيد،- وهذه هي الإجارة المأمونة.
إن الأمر ليس أمري،وليس لي فيه شيء إلا التبليغ،ولا مفر لي من هذا التبليغ.فأنا مطلوب به من اللّه ولن يجيرني منه أحد،ولن أجد من دونه ملجأ يعصمني،إلا أن أبلغ وأؤدي! يا للرهبة! ويا للروعة! ويا للجد! إنها ليست تطوعا يتقدم به صاحب الدعوة.إنما هو التكليف.التكليف الصارم الجازم،الذي لا مفر من أدائه.فاللّه من ورائه! وإنها ليست اللذة الذاتية في حمل الهدى والخير للناس.إنما هو الأمر العلوي الذي لا يمكن التلفت عنه ولا التردد فيه! وهكذا يتبين أمر الدعوة ويتحدد ..إنها تكليف وواجب.وراءه الهول،ووراءه الجد،ووراءه الكبير المتعال!
«وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا.حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا» .فهو التهديد الظاهر والملفوف لمن يبلغه هذا الأمر ثم يعصي.بعد التلويح بالجد الصارم في التكليف بذلك البلاغ.
وإذا كان المشركون يركنون إلى قوة وإلى عدد،ويقيسون قوتهم إلى قوة محمد - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين القلائل معه،فسيعلمون حين يرون ما يوعدون - إما في الدنيا وإما في الآخرة - «مَنْ أَضْعَفُ ناصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا» ..وأي الفريقين هو الضعيف المخذول القليل الهزيل! ونعود إلى مقالة الجن فنجدهم