فهرس الكتاب

الصفحة 3070 من 4997

وغير هذا وذلك كثير يشهد بأن الرسالة المحمدية كانت رحمة للبشرية وأن محمدا - صلى الله عليه وسلم - إنما أرسل رحمة للعالمين.من آمن به ومن لم يؤمن به على السواء.فالبشرية كلها قد تأثرت بالمنهج الذي جاء به طائعة أو كارهة،شاعرة أو غير شاعرة وما تزال ظلال هذه الرحمة وارفة،لمن يريد أن يستظل بها،ويستروح فيها نسائم السماء الرخية،في هجير الأرض المحرق وبخاصة في هذه الأيام.

وإن البشرية اليوم لفي أشد الحاجة إلى حس هذه الرحمة ونداها.وهي قلقة حائرة،شاردة في متاهات المادية،وجحيم الحروب،وجفاف الأرواح والقلوب ..

الدرس الخامس:108 - 111 إبلاغ الرسول للدعوة وتوكيل الأمر إلى الله

وبعد إبراز معنى الرحمة وتقريره يؤمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - بأن يواجه المكذبين المستهزئين،بخلاصة رسالته التي تنبع منها الرحمة للعالمين: «قُلْ:إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ.فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ؟» .

فهذا هو عنصر الرحمة الأصيل في تلك الرسالة.عنصر التوحيد المطلق الذي ينقذ البشرية من أوهام الجاهلية،ومن أثقال الوثنية،ومن ضغط الوهم والخرافة.والذي يقيم الحياة على قاعدتها الركينة،فيربطها بالوجود كله،وفق نواميس واضحة وسنن ثابتة،لا وفق أهواء ونزوات وشهوات.والذي يكفل لكل إنسان أن يقف مرفوع الرأس فلا تنحني الرؤوس إلا للّه الواحد القهار.

هذا هو طريق الرحمة .. «فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ؟» .

وهذا هو السؤال الواحد الذي يكلف رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - أن يلقيه على المكذبين المستهزئين: «فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ:آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ» ..أي كشفت لكم ما عندي فأنا وأنتم على علم سواء.والإيذان يكون في الحرب لإنهاء فترة السلم،وإعلام الفريق الآخر أنها حرب لاسلام ..أما هنا - والسورة مكية ولم يكن القتال قد فرض بعد - فالمقصود هو أن يعلنهم بأنه قد نفض يده منهم،وتركهم عالمين بمصيرهم،وأنذرهم عاقبة أمرهم.فلم يعد لهم بعد ذلك عذر،فليذوقوا وبال أمرهم وهم عالمون ..

«وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ» ..آذنتكم على سواء.ولست أدري متى يحل بكم ما توعدون.فهو غيب من غيب اللّه.لا يعلمه إلا اللّه.

وهو وحده يعلم متى يأخذكم بعذابه في الدنيا أو في الآخرة سواء.وهو يعلم سركم وجهركم،فما يخفى عليه منكم خافية: «إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ،وَيَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ» ..فأمركم كله مكشوف له،وحين يعذبكم يعذبكم بما يعلم من أمركم ظاهره وخافيه.وإذا أخر عنكم العذاب فحكمة تأخيره عند اللّه: «وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ» ..وما أدري ما يريد اللّه بهذا التأخير.فلعله يريد أن يكون فتنة لكم وابتلاء ،فيمتعكم إلى أجل،ثم يأخذكم أخذ عزيز مقتدر.

وبهذا التجهيل يلمس قلوبهم لمسة قوية،ويدعهم يتوقعون كل احتمال،ويتوجسون خيفة من المفاجأة التي تأخذهم بغتة.وتوقظ قلوبهم من غفلة المتاع فلعل وراءه الفتنة والبلاء.وتوقع العذاب على غير

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت