فهرس الكتاب
إن الندم والتوبة ليسا نهاية المطاف.ولكنه العمل الذي يعقب الندم والتوبة.فيصدق أو يكذب تلك المشاعر النفسية ويعمقها أو يكتسحها بعد أن تكون!
إن الإسلام منهج حياة واقعية،لا تكفي فيه المشاعر والنوايا،ما لم تتحول إلى حركة واقعية.وللنية الطيبة مكانها ولكنها هي بذاتها ليست مناط الحكم والجزاء.إنما هي تحسب مع العمل،فتحدد قيمة العمل.وهذا معنى الحديث:عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيِّ،قَالَ:سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَلَى الْمِنْبَرِ يُخْبِرُ بِذَلِكَ،عَنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ،قَالَ:سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ:إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ،وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى،فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ،فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ،وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا،أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا،فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ". [1] ..الأعمال ..لا مجرد النيات!"
والفريق الأخير هو الذي لم يبت في أمره،وقد وكل أمره إلى ربه: «وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ،إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ،وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ» ..
وهؤلاء هم القسم الأخير من المتخلفين عن غزوة تبوك - غير المنافقين والمعتذرين والمخطئين التائبين - وهذا القسم لم يكن حتى نزول هذه الآية قد بت في أمره بشيء.
وكان أمرهم موكولا إلى اللّه،لم يعلموه ولم يعلمه الناس بعد ..وقد روي أن هذه الآية نزلت في الثلاثة الذين خلفوا - أي أجل إعلان توبتهم والقضاء في أمرهم - وهم مرارة بن الربيع،وكعب بن مالك،وهلال ابن أمية،الذين قعدوا عن غزوة تبوك كسلا وميلا إلى الدعة واسترواحا للظلال في حر الهاجرة! ثم كان لهم شأن مع رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - سيأتي تفصيله في موضعه من السورة في الدرس التالي.
روى ابن جرير عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،قَالَ:"لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ يَعْنِي قَوْلَهُ:خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ أَمْوَالِهِمْ يَعْنِي مِنْ أَمْوَالِ أَبِي لُبَابَةَ وَصَاحِبَيْهِ فَتَصَدَّقَ بِهَا عَنْهُمْ،وَبَقِيَ الثَّلَاثَةُ الَّذِينَ خَالَفُوا أَبَا لُبَابَةَ،وَلَمْ يُوثِقُوا،وَلَمْ يُذْكَرُوا بِشَيْءٍ،وَلَمْ يَنْزِلْ عُذْرُهُمْ،وَضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ .وَهُمُ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ:وَآخَرُونَ مُرْجَونَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ فَجَعَلَ النَّاسُ يَقُولُونَ:هَلَكُوا إِذْ لَمْ يَنْزِلْ لَهُمْ عُذْرًا وَجَعَلَ آخَرُونَ يَقُولُونَ:عَسَى اللَّهُ أَنْ يَغْفِرَ لَهُمْ فَصَارُوا مُرْجَئِينَ لِأَمْرِ اللَّهِ،حَتَّى نَزَلَتْ:لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ الَّذِينَ خَرَجُوا مَعَهُ إِلَى الشَّامِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ .ثُمَّ قَالَ:وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا يَعْنِي"
(1) - أخرجه الجماعة المسند الجامع [14 /51] (10626)