فهرس الكتاب

الصفحة 2310 من 4997

في واجباتها،وينهضون بأعبائها،وهم لم ينبذوا منها ولم ينبتوا عنها وفي تطوعهم بهذه الصدقات تطهير لهم وتزكية،وفي دعاء الرسول - صلى الله عليه وسلم - لهم طمأنينة وسكن.

«وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» ..يسمع الدعاء،ويعلم ما في القلوب.ويقضي بما يسمعه ويعلمه قضاء السميع العليم.وهو وحده الذي يقضي في شأن العباد،فيقبل منهم توبتهم ويأخذ منهم صدقاتهم،ورسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ينفذ ما يأمره به ربه،ولا ينشئ شيئا من هذا من عنده ..وتقريرا لهذه الحقيقة يقول تعالى في الآية التالية: «أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ،وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ؟» .

وهو استفهام تقريري يفيد:فليعلموا أن اللّه هو يقبل التوبة واللّه هو يأخذ الصدقة،واللّه هو يتوب ويرحم عباده ..وليس شيء من هذا لأحد غيره سبحانه ..

قال أبو جعفر:وهذا خبرٌ من الله تعالى ذكره،أخبر به المؤمنين به:أن قبول توبة من تاب من المنافقين،وأخذ الصدقة من أموالهم إذا أعطوها،ليسا إلى نبيّ الله - صلى الله عليه وسلم - = وأن نبيَّ الله حين أبى أن يطلق من ربط نفسه بالسواري من المتخلفين عن الغزو معه،وحين ترك قبول صدقتهم بعد أن أطلق الله عنهم حين أذن له في ذلك،إنما فعل ذلك من أجل أن ذلك لم يكن إليه - صلى الله عليه وسلم - ،وأن ذلك إلى الله تعالى ذكره دون محمد،وأن محمدًا إنما يفعل ما يفعل من تركٍ وإطلاقٍ وأخذِ صدقةٍ وغير ذلك من أفعاله بأمر الله.فقال جل ثناؤه:ألم يعلم هؤلاء المتخلفون عن الجهاد مع المؤمنين،الموثقو أنفسهم بالسواري،القائلون:"لا نُطلق أنفسنا حتى يكون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو الذي يطلقنا"،السَّائلو رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - أخذَ صدقة أموالهم،أنَّ ذلك ليس إلى محمد،وأن ذلك إلى الله،وأن الله هو الذي يقبل توبة من تاب من عباده أو يردُّها،ويأخذ صدقة من تصدَّق منهم أو يردُّها عليه دون محمد،فيوجِّهوا توبتهم وصدقتهم إلى الله،ويقصدوا بذلك قصدَ وجهه دون محمد وغيره،ويخلصوا التوبة له،ويريدوه بصدقتهم،ويعلموا أن الله هو التواب الرحيم؟ = يقول:المراجع لعبيده إلى العفو عنه إذا رجعوا إلى طاعته،الرحيم بهم إذا هم أنابوا إلى رضاه من عقابه. [1]

وفي النهاية يتوجه الحديث إلى المتخلفين التائبين: «وَقُلِ:اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ،وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» ..

ذلك أن المنهج الإسلامي منهج عقيدة وعمل يصدق العقيدة.فمحك الصدق في توبتهم إذن هو العمل الظاهر،يراه اللّه ورسوله والمؤمنون.فأما في الآخرة فمردهم إلى عالم الغيب والشهادة الذي يعلم فعل الجوارح وكوامن الصدور.

(1) - تفسير الطبري - مؤسسة الرسالة [14 /458]

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت