فهرس الكتاب

الصفحة 2309 من 4997

وحده.فإذ كان ذلك [كذلك] ،وكان الله تبارك وتعالى قد وصف في قوله: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم) ،بالاعتراف بذنوبهم جماعةً،عُلِم أن الجماعة الذين وصفهم بذلك ليست الواحد،فقد تبين بذلك أن هذه الصفة إذا لم تكن إلا لجماعة،وكان لا جماعةَ فعلت ذلك،فيما نقله أهل السير والأخبار وأجمع عليه أهل التأويل،إلا جماعة من المتخلفين عن غزوة تبوك،صحَّ ما قلنا في ذلك.وقلنا:"كان منهم أبو لبابة"،لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك.» [1] ..

ولما ذكر اللّه - سبحانه - صفة هذه الجماعة من الناس المتخلفين المعتذرين التائبين عقب عليها بقوله: «عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ،إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» ..

وكما قال ابن جرير: «وعسى من اللّه واجب» [2] ..فهو رجاء من يملك إجابة الرجاء سبحانه! والاعتراف بالذنب على هذا النحو،والشعور بوطأته،دليل حياة القلب وحساسيته،ومن ثم فالتوبة مرجوة القبول،والمغفرة مرتقبة من الغفور الرحيم ..وقد قبل اللّه توبتهم وغفر لهم ..

ثم قال اللّه لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: «خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها،وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ،وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» ..

ولقد كانت تلك الحساسية التي بعثت الندم والتوبة في تلك القلوب،جديرة بالطمأنينة،حقيقة بالعطف الذي يسكب فيها الأمل،ويفتح لها أبواب الرجاء ..وإن كان رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وهو يقود حركة،ويربي أمة،وينشئ نظاما،قد رأى الأخذ بالحزم في أمرهم حتى يأتيه أمر من ربه في شأنهم ..

روى ابن جرير عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،قَالَ:"لَمَّا أَطْلَقَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَبَا لُبَابَةَ وَصَاحِبَيْهِ،انْطَلَقَ أَبُو لُبَابَةَ وَصَاحِبَاهُ بِأَمْوَالِهِمْ،فَأَتَوْا بِهَا رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ،فَقَالُوا:خُذْ مِنْ أَمْوَالِنَا فَتَصَدَّقَ بِهِ عَنَّا،وَصَلِّ عَلَيْنَا يَقُولُونَ:اسْتَغْفِرْ لَنَا وَطَهِّرْنَا .فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"لَا آخُذُ مِنْهَا شَيْئًا حَتَّى أُومَرَ"فَأَنْزَلَ اللَّهُ:خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ يَقُولُ:اسْتَغْفِرْ لَهُمْ مِنْ ذُنُوبِهِمُ الَّتِي كَانُوا أَصَابُوا .فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - جُزْءًا مِنْ أَمْوَالِهِمْ،فَتَصَدَّقَ بِهَا عَنْهُمْ" [3]

وهكذا منّ اللّه عليهم لما علمه سبحانه من حسن سريرتهم،وصدق توبتهم،فأمر رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يأخذ بعض أموالهم يتصدق بها عنهم،وأن يصلي عليهم - أي يدعو لهم،فالأصل في الصلاة الدعاء - ذلك أن أخذ الصدقة منهم يرد إليهم شعورهم بعضويتهم الكاملة في الجماعة المسلمة،فهم يشاركون

(1) - تفسير الطبري - مؤسسة الرسالة [14 /453]

(2) - تفسير الطبري - مؤسسة الرسالة [14 /447]

(3) - جَامِعُ الْبَيَانِ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ لِلطَّبَرِيِّ >> سُورَةُ التَّوْبَةِ >> الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى:خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ >> (15765 ) ضعيف

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت