في كل جاهلية تفقد اتصالها بعالم أرفع من الأرض وأوسع - أناسا ذلك ظنهم بربهم في البسط والقبض.وذلك تقديرهم لقيم الناس في الأرض.ذلك أن المال والجاه عندهم كل شيء.وليس وراءهما مقياس!
ومن ثم كان تكالبهم على المال عظيما،وحبهم له حبا طاغيا،مما يورثهم شراهة وطمعا.كما يورثهم حرصا وشحا ..ومن ثم يكشف لهم عن ذوات صدورهم في هذا المجال،ويقرر أن هذا الشره والشح هما علة خطئهم في إدراك معنى الابتلاء من وراء البسط والقبض في الأرزاق.
«كَلاَّ بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (17) وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (18) وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا (19) وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا (20) » ..
كلا ليس الأمر كما يقول الإنسان الخاوي من الإيمان.ليس بسط الرزق دليلا على الكرامة عند اللّه.وليس تضييق الرزق دليلا على المهانة والإهمال.إنما الأمر أنكم لا تنهضون بحق العطاء،ولا توفون بحق المال.فأنتم لا تكرمون اليتيم الصغير الذي فقد حاميه وكافله حين فقد أباه.ولا تتحاضون فيما بينكم على إطعام المسكين.الساكن الذي لا يتعرض للسؤال وهو محتاج! وقد اعتبر عدم التحاض والتواصي على إطعام المسكين قبيحا مستنكرا.كما يوحي بضرورة التكافل في الجماعة في التوجيه إلى الواجب وإلى الخير العام.وهذه سمة الإسلام...إنكم لا تدركون معنى الابتلاء .فلا تحاولون النجاح فيه،بإكرام اليتيم والتواصي على إطعام المسكين،بل أنتم - على العكس - تأكلون الميراث أكلا شرها جشعا وتحبون المال حبا كثيرا طاغيا،لا يستبقي في نفوسكم أريحية ولا مكرمة مع المحتاجين إلى الإكرام والطعام.
وقد كان الإسلام يواجه في مكة - كما ذكرنا من قبل - حالة من التكالب على جمع المال بكافة الطرق،تورث القلوب كزازة وقساوة.وكان ضعف اليتامى مغريا بانتهاب أموالهم وبخاصة الإناث منهم في صور شتى وبخاصة ما يتعلق بالميراث (كما سبق بيانه في مواضع متعددة في الظلال) كما كان حب المال وجمعه بالربا وغيره ظاهرة بارزة في المجتمع المكي قبل الإسلام.وهي سمة الجاهليات في كل زمان ومكان! حتى الآن! وفي هذه الآيات فوق الكشف عن واقع نفوسهم،تنديد بهذا الواقع،وردع عنه،يتمثل في تكرار كلمة «كَلَّا» كما يتمثل في بناء التعبير وإيقاعه،وهو يرسم بجرسه شدة التكالب وعنفه: «وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا.وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا!» ..
الدرس الخامس:21- 26 أهوال يوم القيامة وجزاء الكافر
وعند هذا الحد من فضح حقيقة حالهم المنكرة،بعد تصوير خطأ تصورهم في الابتلاء بالمنع والعطاء،يجيء التهديد الرعيب بيوم الجزاء وحقيقته،بعد الابتلاء ونتيجته،في إيقاع قوي شديد:«