إنشائه.سر غامض لا يدري أحد من أين جاء،ولا كيف جاء،ولا كيف يتلبس بالأحياء! وكل المحاولات التي بذلت للبحث عن مصدره أو طبيعته أغلقت دونها الستر والأبواب وانحصرت البحوث كلها في تطور الأحياء - بعد وجود الحياة - وتنوعها ووظائفها وفي هذا الحيز الضيق المنظور اختلفت الآراء والنظريات.فأما ما وراء الستر فبقي سرا خافيا لا تمتد إليه عين،ولا يصل إليه إدراك ..إنه من أمر اللّه.الذي لا يدركه سواه.
هذه الأحياء المبثوثة في كل مكان.فوق سطح الأرض وفي ثناياها.وفي أعماق البحر وفي أجواز الفضاء - ودع عنك تصور الأحياء الأخرى في السماء - هذه الأحياء المبثوثة التي لا يعلم الإنسان منها إلا النزر اليسير،ولا يدرك منها بوسائله المحدودة إلا القليل المشهور.هذه الأحياء التي تدب في السماوات والأرض يجمعها اللّه حين يشاء،لا يضل منها فرد واحد ولا يغيب! وبنو الإنسان يعجزهم أن يجمعوا سربا من الطير الأليف ينفلت من أقفاصهم،أو سربا من النحل يطير من خلية لهم! وأسراب من الطير لا يعلم عددها إلا اللّه.وأسراب من النحل والنمل وأخواتها لا يحصيها إلا اللّه.وأسراب من الحشرات والهوام والجراثيم لا يعلم مواطنها إلا اللّه.وأسراب من الأسماك وحيوان البحر لا يطلع عليها إلا اللّه.وقطعان من الأنعام والوحش سائمة وشاردة في كل مكان،وقطعان من البشر مبثوثة في الأرض في كل مكان ..ومعها خلائق أربى عددا وأخفى مكانا في السماوات من خلق اللّه ..كلها ..كلها ..يجمعها اللّه حين يشاء ..وليس بين بثها في السماوات والأرض وجمعها إلا كلمة تصدر.والتعبير يقابل بين مشهد البث ومشهد الجمع في لمحة على طريقة القرآن فيشهد القلب هذين المشهدين الهائلين قبل أن ينتهي اللسان من آية واحدة قصيرة من القرآن! وفي ظل هذين المشهدين يحدثهم عما يصيبهم في هذه الحياة بما كسبت أيديهم.لا كله.فإن اللّه لا يؤاخذهم بكل ما يكسبون.ولكن يعفو منه عن كثير.ويصور لهم عجزهم ويذكرهم به،وهم قطاع صغير في عالم الأحياء الكبير: «وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ.وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ» .
وفي الآية الأولى يتجلى عدل اللّه،وتتجلى رحمته بهذا الإنسان الضعيف.فكل مصيبة تصيبه لها سبب مما كسبت يداه ولكن اللّه لا يؤاخذه بكل ما يقترف وهو يعلم ضعفه وما ركب في فطرته من دوافع تغلبه في أكثر الأحيان،فيعفو عن كثير،رحمة منه وسماحة.
وفي الآية الثانية يتجلى ضعف هذا الإنسان،فما هو بمعجز في الأرض،وما له من دون اللّه من ولي ولا نصير.فأين يذهب إلا أن يلتجئ إلى الولي والنصير؟