«يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ» ..يهديهم إلى الصالحات بسبب هذا الإيمان الذي يصل ما بينهم وبين اللّه،ويفتح بصائرهم على استقامة الطريق،ويهديهم إلى الخير بوحي من حساسية الضمير وتقواه ..هؤلاء يدخلون الجنة.
«تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ» ..وما يزال الماء ولن يزال يوحي بالخصب والري والنماء والحياة ..
فما همومهم في هذه الجنة وما هي شواغلهم،وما هي دعواهم التي يحبون تحقيقها؟ إن همومهم ليست مالا ولا جاها،وإن شواغلهم ليست دفع أذى ولا تحصيل مصلحة.لقد كفوا شر ذلك كله،ولقد اكتفوا فما لهم من حاجة من تلك الحاجات،ولقد استغنوا بما وهبهم اللّه،ولقد ارتفعوا عن مثل هذه الشواغل والهموم.
إن أقصى ما يشغلهم حتى ليوصف بأنه «دعواهم» هو تسبيح اللّه أولا وحمده أخيرا،يتخلل هذا وذاك تحيات بينهم وبين أنفسهم وبينهم وبين ملائكة الرحمن: «دَعْواهُمْ فِيها:سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ.وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ.وَآخِرُ دَعْواهُمْ:أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» ..
إنه الانطلاق من هموم الحياة الدنيا وشواغلها والارتفاع عن ضروراتها وحاجاتها،والرفرفة في آفاق الرضى والتسبيح والحمد والسلام.تلك الآفاق اللائقة بكمال الإنسان.
بعد ذلك يواجه السياق القرآني تحديهم لرسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وطلبهم تعجيل العذاب الذي يتوعدهم به ببيان أن تأجيله إلى أجل مسمى هو حكمة من اللّه ورحمة.ويرسم لهم مشهدهم حين يصيبهم الضر فعلا،فتتعرى فطرتهم من الركام وتتجه إلى خالقها.فإذا ارتفع الضر عاد المسرفون إلى ما كانوا فيه من غفلة.
ويذكرهم مصارع الغابرين الذين استخلفوا هم من بعدهم ويلوح لهم بمثل هذا المصير ويبين لهم أن الحياة الدنيا إنما هي للابتلاء وبعدها الجزاء ..
«وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ،فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ.وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِدًا أَوْ قائِمًا،فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ،كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ.وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا،وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ،وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا،كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ.ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ،لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ» .
ولقد كان المشركون العرب يتحدون رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - أن يعجل لهم العذاب ..ومما حكاه اللّه تعالى عنهم في هذه السورة: «وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» .وورد في غيرها: «وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ» كما حكى القرآن الكريم قولهم: «وَإِذْ قالُوا:اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ» ..