اصطفاه.خائفا أن يقصر به عمله،وأن يقصر به شكره ..وكذلك تكون الحساسية المرهفة بتقوى اللّه وخشيته والتشوق إلى رضاه ورحمته في اللحظة التي تتجلى فيها نعمته كما تجلت والنملة تقول وسليمان يدرك عنها ما تقول بتعليم اللّه له وفضله عليه.
ونقف هنا أمام خارقتين لا خارقة واحدة.خارقة إدراك سليمان لتحذير النملة لقومها.وخارقة إدراك النملة أن هذا سليمان وجنوده.فأما الأولى فهي مما علمه اللّه لسليمان.وسليمان إنسان ونبي،فالأمر بالقياس إليه أقرب من الخارقة الأخرى البادية في مقالة النملة.فقد تدرك النملة أن هؤلاء خلق أكبر وأنهم يحطمون النمل إذا داسوه.وقد يهرب النمل من الخطر بحكم ما أودع اللّه فيه من القوى الحافظة للحياة.أما أن تدرك النملة أن هذه الشخوص هي سليمان وجنوده،فتلك هي الخارقة الخاصة التي تخرج على المألوف.وتحسب في عداد الخوارق في مثل هذه الحال.
والآن نأتي إلى قصة سليمان مع الهدهد وملكة سبأ وهي مقطعة إلى ستة مشاهد،بينها فجوات فنية،تدرك من المشاهد المعروضة.وتكمل جمال العرض الفني في القصة،وتتخللها تعقيبات على بعض المشاهد تحمل التوجيه الوجداني المقصود بعرضها في السورة وتحقق العبرة التي من أجلها يساق القصص في القرآن الكريم.
وتتناسق التعقيبات مع المشاهد والفجوات تنسيقا بديعا،من الناحيتين:الفنية الجمالية،والدينية الوجدانية.
ولما كان افتتاح الحديث عن سليمان قد تضمن الإشارة إلى الجن والإنس والطير،كما تضمن الإشارة إلى نعمة العلم،فإن القصة تحتوي دورا لكل من الجن والإنس والطير.ويبرز فيها دور العلم كذلك.وكأنما كانت تلك المقدمة إشارة إلى أصحاب الأدوار الرئيسية في القصة ..وهذه سمة فنية دقيقة في القصص القرآني.كذلك تتضح السمات الشخصية والمعالم المميزة لشخصيات القصة:شخصية سليمان،وشخصية الملكة،وشخصية الهدهد،وشخصية حاشية الملكة.كما تعرض الانفعالات النفسية لهذه الشخصيات في شتى مشاهد القصة ومواقفها.
يبدأ المشهد الأول في مشهد العرض العسكري العام لسليمان وجنوده،بعد ما أتوا على وادي النمل،وبعد مقالة النملة،وتوجه سليمان إلى ربه بالشكر والدعاء والإنابة: «وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ:ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ؟ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ؟ لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ،أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ» ..
فها هو ذا الملك النبي.سليمان.في موكبه الفخم الضخم.ها هو ذا يتفقد الطير فلا يجد الهدهد.ونفهم من هذا أنه هدهد خاص،معين في نوبته في هذا العرض.وليس هدهدا ما من تلك الألوف أو الملايين التي تحويها الأرض من أمة الهداهد.كما ندرك من افتقاد سليمان لهذا الهدهد سمة من سمات