فهرس الكتاب

الصفحة 3340 من 4997

لقد سار الموكب.موكب سليمان من الجن والإنس والطير.في ترتيب ونظام،يجمع آخره على أوله،وتضم صفوفه،وتتلاءم خطاه.حتى إذا أتوا على واد كثير النمل،حتى لقد أضافه التعبير إلى النمل فسماه «وادي النمل» قالت نملة.لها صفة الإشراف والتنظيم على النمل السارح في الوادي - ومملكة النمل كمملكة النحل دقيقة التنظيم،تتنوع فيها الوظائف،وتؤدى كلها بنظام عجيب،يعجز البشر غالبا عن اتباع مثله،على ما أوتوا من عقل راق وإدراك عال - قالت هذه النملة للنمل،بالوسيلة التي تتفاهم بها أمة النمل،وباللغة المتعارفة بينها.قالت للنمل:ادخلوا مساكنكم - كي لا يحطمنكم سليمان وجنوده.وهم لا يشعرون بكم.

فأدرك سليمان ما قالت النملة وهش له وانشرح صدره بإدراك ما قالت،وبمضمون ما قالت.هش لما قالت كما يهش الكبير للصغير الذي يحاول النجاة من أذاه وهو لا يضمر أذاه.وانشرح صدره لإدراكه.فهي نعمة اللّه عليه تصله بهذه العوالم المحجوبة المعزولة عن الناس لاستغلاق التفاهم بينها وقيام الحواجز.وانشرح صدره له لأنه عجيبة من العجائب أن يكون للنملة هذا الإدراك،وأن يفهم عنها النمل فيطيع! أدرك سليمان هذا «فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِنْ قَوْلِها» ..وسرعان ما هزته هذه المشاهدة،وردت قلبه إلى ربه الذي أنعم عليه بنعمة المعرفة الخارقة وفتح بينه وبين تلك العوالم المحجوبة المعزولة من خلقه واتجه إلى ربه في إنابة يتوسل إليه: «رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ» .. «رَبِّ» ..بهذا النداء القريب المباشر المتصل .. «أَوْزِعْنِي» اجمعني كلي.اجمع جوارحي ومشاعري ولساني وجناني وخواطري وخلجاتي،وكلماتي وعباراتي،وأعمالي وتوجهاتي.اجمعني كلي.اجمع طاقاتي كلها.أولها على آخرها وآخرها على أولها (وهو المدلول اللغوي لكلمة أوزعني) لتكون كلها في شكر نعمتك عليّ وعلى والديّ ..

وهذا التعبير يشيء بنعمة اللّه التي مست قلب سليمان - عليه السّلام - في تلك اللحظة ويصور نوع تأثره،وقوة توجهه،وارتعاشة وجدانه،وهو يستشعر فضل اللّه الجزيل،ويتمثل يد اللّه عليه وعلى والديه،ويحس مس النعمة والرحمة في ارتياع وابتهال.

«رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ» .. «وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ» ..فالعمل الصالح هو كذلك فضل من اللّه يوفق إليه من يشكر نعمته،وسليمان الشاكر الذي يستعين ربه ليجمعه ويقفه على شكر نعمته،ويستعين ربه كذلك ليوفقه إلى عمل صالح يرضاه.وهو يشعر أن العمل الصالح توفيق ونعمة أخرى من اللّه.

«وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ» ..أدخلني برحمتك ..فهو يعلم أن الدخول في عباد اللّه الصالحين،رحمة من اللّه،تتدارك العبد فتوفقه إلى العمل الصالح،فيسلك في عداد الصالحين.يعلم هذا،فيضرع إلى ربه أن يكون من المرحومين الموفقين السالكين في هذا الرعيل.يضرع إلى ربه وهو النبي الذي أنعم اللّه عليه وسخر له الجن والإنس والطير.غير آمن مكر اللّه - حتى بعد أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت