هذه التسبيحة في مطلع السورة توحي بزيادة بركة اللّه ومضاعفتها،وتمجيد هذه البركة الرابية الفائضة.
وذكر الملك بجوارها يوحي بفيض هذه البركة على هذا الملك،وتمجيدها في الكون بعد تمجيدها في جناب الذات الإلهية.وهي ترنيمة تتجاوب بها أرجاء الوجود،ويعمر بها قلب كل موجود.وهي تنطلق من النطق الإلهي في كتابه الكريم،من الكتاب المكنون،إلى الكون المعلوم.
«تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ» ..فهو المالك له،المهيمن عليه،القابض على ناصيته،المتصرف فيه ..وهي حقيقة.حين تستقر في الضمير تحدد له الوجهة والمصير وتخليه من التوجه أو الاعتماد أو الطلب من غير المالك المهيمن المتصرف في هذا الملك بلا شريك كما تخليه من العبودية والعبادة لغير المالك الواحد،والسيد الفريد!
«وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» ..فلا يعجزه شيء، ولا يفوته شيء، ولا يحول دون إرادته شيء، ولا يحد مشيئته شيء.يخلق ما يشاء،ويفعل ما يريد،وهو قادر على ما يريده غالب على أمره لا تتعلق بإرادته حدود ولا قيود ..وهي حقيقة حين تستقر في الضمير تطلق تصوره لمشيئة اللّه وفعله من كل قيد يرد عليه من مألوف الحس أو مألوف العقل أو مألوف الخيال!
فقدرة اللّه وراء كل ما يخطر للبشر على أي حال ..والقيود التي ترد على تصور البشر بحكم تكوينهم المحدود تجعلهم أسرى لما يألفون في تقدير ما يتوقعون من تغيير وتبديل فيما وراء اللحظة الحاضرة والواقع المحدود.فهذه الحقيقة تطلق حسهم من هذا الإسار.فيتوقعون من قدرة اللّه كل شيء بلا حدود.ويكلون لقدرة اللّه كل شيء بلا قيود.وينطلقون من أسر اللحظة الحاضرة والواقع المحدود.
«الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا،وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ» ..
ومن آثار تمكنه المطلق من الملك وتصريفه له،وآثار قدرته على كل شيء وطلاقة إرادته ..أنه خلق الموت والحياة.والموت يشمل الموت السابق على الحياة والموت اللاحق لها.والحياة تشمل الحياة الأولى والحياة الآخرة.
وكلها من خلق اللّه كما تقرر هذه الآية،التي تنشئ هذه الحقيقة في التصور الإنساني وتثير إلى جانبها اليقظة لما وراءها من قصد وابتلاء.فليست المسألة مصادفة بلا تدبير.وليست كذلك جزافا بلا غاية.إنما هو الابتلاء لإظهار المكنون في علم اللّه من سلوك الأناسي على الأرض،واستحقاقهم للجزاء على العمل: «لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا» ..واستقرار هذه الحقيقة في الضمير يدعه أبدا يقظا حذرا متلفتا واعيا للصغيرة والكبيرة في النية المستسرة والعمل الظاهر.ولا يدعه يغفل أو يلهو.كذلك لا يدعه يطمئن أو يستريح.ومن ثم يجيء التعقيب: