فهرس الكتاب

الصفحة 4249 من 4997

المتغير أو المصادفة العابرة والارتجال العارض ..كل شيء في موضعه وفي زمانه،وكل أمر في مكانه وفي إبانه.والاستقرار يحكم كل شيء من حولهم،ويتجلى في كل شيء:في دورة الأفلاك،وفي سنن الحياة.وفي أطوار النبات والحيوان.وفي الظواهر الثابتة للأشياء والمواد.لا بل في انتظام وظائف أجسامهم وأعضائهم التي لا سلطان لهم عليها.والتي لا تخضع للأهواء! وبينما هذا الاستقرار يحيط بهم ويسيطر على كل شيء من حولهم،ويتجلى في كل أمر من بين أيديهم ومن خلفهم ..إذا هم وحدهم مضطربون تتجاذبهم الأهواء!

«وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ» ..أنباء الآيات الكونية التي صرّفها اللّه لهم في هذا القرآن وأنباء المكذبين قبلهم ومصارعهم،وأنباء الآخرة التي صورها القرآن لهم ..وكان في هذا كله زاجر ورادع لمن يزدجر ويرتدع.وكان فيه من حكمة اللّه ما يبلغ القلوب ويوجهها إلى تدبيره الحكيم.ولكن القلوب المطموسة لا تتفتح لرؤية الآيات،والانتفاع بالأنباء،واليقظة على صوت النذير بعد النذير: «حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ» .إنما هو الإيمان هبة اللّه للقلب المتهيئ للإيمان،المستحق لهذا الإنعام! وعند هذا الحد من تصوير إعراضهم وإصرارهم،وعدم انتفاعهم بالأنباء،وقلة جدوى النذر مع هؤلاء.يتوجه الخطاب إلى رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - للإعراض عنهم وتركهم يلاقون اليوم الذي لا يحفلون النذير باقترابه،وهم يرون انشقاق القمر بين يدي مجيئه:

«فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ.خُشَّعًا أَبْصارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ.مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكافِرُونَ:هذا يَوْمٌ عَسِرٌ» ..

وهو مشهد من مشاهد ذلك اليوم،يناسب هوله وشدته ظلال السورة كلها ويتناسق مع الإرهاص باقتراب الساعة،ومع الإنباء بانشقاق القمر،ومع الإيقاع الموسيقي في السورة كذلك! وهو متقارب سريع.وهو مع سرعته شاخص متحرك،مكتمل السمات والحركات:هذه جموع خارجة من الأجداث في لحظة واحدة كأنهم جراد منتشر (ومشهد الجراد المعهود يساعد على تصور المنظر المعروض) وهذه الجموع خاشعة أبصارها من الذل والهول،وهي تسرع في سيرها نحو الداعي،الذي يدعوها لأمر غريب نكير شديد لا تعرفه ولا تطمئن إليه ..وفي أثناء هذا التجمع والخشوع والإسراع يقول الكافرون: «هذا يَوْمٌ عَسِرٌ» ..وهي قولة المكروب المجهود،الذي يخرج ليواجه الأمر الصعيب الرعيب!» [1]

فهذا هو اليوم الذي اقترب،وهم عنه معرضون،وبه يكذبون.فتول عنهم يوم يجيء، ودعهم لمصيرهم فيه وهو هذا المصير الرعيب المخيف!

الدرس الثاني:9 - 17 لقطات من قصة نوح عليه السلام

(1) - مأخوذ بتصرف خفيف عن كتاب «مشاهد القيامة في القرآن» «دار الشروق» ( السيد رحمه الله )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت