وبعد هذا الإيقاع العنيف في مطلع السورة والمشهد المكروب الذي يشمل المكذبين في يوم القيامة ..يأخذ في عرض مشاهد التنكيل والتعذيب الذي أصاب بالفعل أجيال المكذبين قبلهم،وعرض مصارع الأمم التي سلكت من قبل مسلكهم،بادئا بقوم نوح: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (9) فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (10) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (11) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (12) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (13) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (14) وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (15) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (16) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (17) } [القمر:9 - 17] ..
«كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ» ..بالرسالة وبالآيات «فَكَذَّبُوا عَبْدَنا» ..نوحا «وَقالُوا:مَجْنُونٌ» ..كما قالت:قريش ظالمة عن محمد - صلى الله عليه وسلم - وهددوه بالرجم،وآذوه بالسخرية،وطالبوه أن يكف عنهم ونهروه بعنف: «وَازْدُجِرَ» ..بدلا من أن ينزجروا هم ويرعووا! عندئذ عاد نوح إلى ربه الذي أرسله وكلفه مهمة التبليغ.عاد لينهي إليه ما انتهى إليه أمره مع قومه،وما انتهى إليه جهده وعمله،وما انتهت إليه طاقته ووسعه.ويدع له الأمر بعد أن لم تعد لديه طاقة لم يبذلها،وبعد أن لم تبق له حيلة ولا حول: «فَدَعا رَبَّهُ:أَنِّي مَغْلُوبٌ.فَانْتَصِرْ» ..انتهت طاقتي.انتهى جهدي.انتهت قوتي.وغلبت على أمري. «أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ» ..انتصر أنت يا ربي.انتصر لدعوتك.انتصر لحقك.انتصر لمنهجك.انتصر أنت فالأمر أمرك،والدعوة دعوتك.وقد انتهى دوري! وما تكاد هذه الكلمة تقال وما يكاد الرسول يسلم الأمر لصاحبه الجليل القهار،حتى تشير اليد القادرة القاهرة إلى عجلة الكون الهائلة الساحقة ..فتدور دورتها المدوية المجلجلة: «فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ.وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ» ..
وهي حركة كونية ضخمة غامرة تصورها ألفاظ وعبارات مختارة.تبدأ بإسناد الفعل إلى اللّه مباشرة:
«فَفَتَحْنا» فيحس القارئ يد الجبار تفتح «أَبْوابَ السَّماءِ» ..بهذا اللفظ وبهذا الجمع. «بِماءٍ مُنْهَمِرٍ» ..غزير متوال.وبالقوة ذاتها وبالحركة نفسها: «وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا» ..وهو تعبير يرسم مشهد التفجر وكأنه ينبثق من الأرض كلها،وكأنما الأرض كلها قد استحالت عيونا.
والتقى الماء المنهمر من السماء بالماء المتفجر من الأرض .. «عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ» ..التقيا على أمر مقدر،فهما على اتفاق لتنفيذ هذا الأمر المقدر.طائعان للأمر،محققان للقدر.حتى إذا صار طوفانا يطم ويعم،ويغمر وجه الأرض،ويطوي الدنس الذي يغشى هذا الوجه وقد يئس الرسول من تطهيره،وغلب على أمره في علاجه.امتدت اليد القوية الرحيمة إلى الرسول الذي دعا دعوته،فتحرك لها الكون كله.امتدت له هذه اليد بالنجاة وبالتكريم: «وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ.تَجْرِي بِأَعْيُنِنا جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ» ..