فهرس الكتاب

الصفحة 4140 من 4997

كله كان عن علم منه وحكمة ..وفي تقرير هذه الحقيقة إيحاء لهم كذلك بالاستسلام لتوجيه اللّه وتدبيره،والاطمئنان إلى ما وراءه من خير عليهم وبركة،وترك الاقتراح والاستعجال والاندفاع فيما قد يظنونه خيرا لهم قبل أن يختار لهم اللّه.فاللّه يختار لهم الخير،ورسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - فيهم،يأخذ بيدهم إلى هذا الخير.وهذا هو التوجيه المقصود في التعقيب.

وإن الإنسان ليعجل،وهو لا يدري ما وراء خطوته.وإن الإنسان ليقترح لنفسه ولغيره،وهو لا يعرف ما الخير وما الشر فيما يقترح. «وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا» .ولو استسلم للّه،ودخل في السلم كافة،ورضي اختيار اللّه له،واطمأن إلى أن اختيار اللّه أفضل من اختياره،وأرحم له وأعود عليه بالخير.لاستراح وسكن.ولأمضى هذه الرحلة القصيرة على هذا الكوكب في طمأنينة ورضى ..ولكن هذا كذلك منة من اللّه وفضل يعطيه من يشاء.

الدرس الثالث:9 - 10 الإصلاح بين المؤمنين والتذكير بأخوتهم

«وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما.فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ.فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا.إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ.إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ،وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ» ..

وهذه قاعدة تشريعية عملية لصيانة المجتمع المؤمن من الخصام والتفكك،تحت النزوات والاندفاعات.

تأتي تعقيبا على تبين خبر الفاسق،وعدم العجلة والاندفاع وراء الحمية والحماسة،قبل التثبت والاستيقان.

وسواء كان نزول هذه الآية بسبب حادث معين كما ذكرت الروايات،أم كان تشريعا لتلافي مثل هذه الحالة،فهو يمثل قاعدة عامة محكمة لصيانة الجماعة الإسلامية من التفكك والتفرق.ثم لإقرار الحق والعدل والصلاح.والارتكان في هذا كله إلى تقوى اللّه ورجاء رحمته بإقرار العدل والصلاح.

والقرآن قد واجه - أو هو يفترض - إمكان وقوع القتال بين طائفتين من المؤمنين.ويستبقي لكلتا الطائفتين وصف الإيمان مع اقتتالهما،ومع احتمال أن إحداهما قد تكون باغية على الأخرى،بل مع احتمال أن تكون كلتاهما باغية في جانب من الجوانب.

وهو يكلف الذين آمنوا - من غير الطائفتين المتقاتلتين طبعا - أن يقوموا بالإصلاح بين المتقاتلين.فإن بغت إحداهما فلم تقبل الرجوع إلى الحق - ومثله أن تبغيا معا برفض الصلح أو رفض قبول حكم اللّه في المسائل المتنازع عليها - فعلى المؤمنين أن يقاتلوا البغاة إذن،وأن يظلوا يقاتلونهم حتى يرجعوا إلى أمر اللّه.وأمر اللّه هو وضع الخصومة بين المؤمنين،وقبول حكم اللّه فيما اختلفوا فيه،وأدى إلى الخصام والقتال.فإذا تم قبول البغاة لحكم اللّه،قام المؤمنون بالإصلاح القائم على العدل الدقيق طاعة للّه وطلبا لرضاه .. «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ» ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت