فهرس الكتاب
هذه السورة تكاد تكون مقصورة على علاج قضية التوحيد.وهي تطوف بالقلب البشري في جولات متعاقبة وتوقع على أوتاره إيقاعات متلاحقة وتهزه هزا عميقا متواصلا لتطبع فيه حقيقة التوحيد وتمكنها،وتنفي عنه كل شبهة وكل ظل يشوب هذه الحقيقة.ومن ثم فهي ذات موضوع واحد متصل من بدئها إلى ختامها يعرض في صور شتى.
ومنذ افتتاح السورة تبرز هذه القضية الواحدة التي تكاد السورة تقتصر على علاجها: «تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ.إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ.أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ ..إلخ» ..وتتردد في مقاطعها على فترات متقاربة فيها إما نصا.وإما مفهوما ..
نصا كقوله: «قُلْ:إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ.وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ.قُلْ:إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ.قُلِ:اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ ..إلخ» ..
أو قوله: «قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ؟ وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ» .
ومفهوما كقوله: «ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ،وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ.هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا:الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ» ..أو قوله: «أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ؟ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ،وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ،وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ.أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ؟» ..
وإلى جانب حقيقة التوحيد التي تعالج السورة أن تطبعها في القلب وتمكنها نجد في السورة توجيهات وإيحاءات لإيقاظ هذا القلب واستجاشته وإثارة حساسيته،وإرهافه للتلقي والتأثر والاستجابة.ذلك كقوله: «وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها وَأَنابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرى .فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ،أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ،وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ» .. «اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ،ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ:ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ.وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ» .. «وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ،ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ.وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ.قُلْ:تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ» ..
وهناك ظاهرة ملحوظة في جو السورة ..إن ظل الآخرة يجللها من أولها إلى آخرها.وسياقها يطوّف بالقلب البشري هناك في كل شوط من أشواطها القصيرة ويعيش به في ظلال العالم الآخر معظم