فهرس الكتاب

الصفحة 4180 من 4997

وعَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ قَالَ:إِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:إِنَّ نَاسًا يُجَادِلُونَكُمْ بِشِبْهِ الْقُرْآنِ،فَخُذُوهُمْ بِالسُّنَنِ،فَإِنَّ أَصْحَابَ السُّنَنِ أَعْلَمُ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى" [1] ."

وهذه الرواية تشي كذلك بأن غموض مدلولات هذه التعبيرات هو الذي جعل المتعنتين يستترون وراءها ويسألون عنها! وهكذا فسرها ابن عباس، وابن عمر، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة، والسدي، وغير واحد.ولم يحك ابن جرير وابن أبي حاتم غير ذلك. [2] .

أقسم اللّه - سبحانه - بالرياح التي تذرو ما تذروه من غبار وحبوب لقاح وسحب وغيرها مما يعلم الإنسان وما يجهل.وبالسحاب الحاملات وقرا من الماء يسوقها اللّه به إلى حيث يشاء.وبالسفن الجاريات في يسر على سطح الماء بقدرته وبما أودع الماء وأودع السفن وأودع الكون كله من خصائص تسمح بهذا الجريان اليسير.ثم بالملائكة المقسمات أمرا،تحمل أوامر اللّه وتوزعها وفق مشيئته،فتفصل في الشؤون المختصة بها،وتقسم الأمور في الكون بحسبها.

والريح والسحاب والسفن والملائكة خلق من خلق اللّه،يتخذها أداة لقدرته،وستارا لمشيئته،ويتحقق عن طريقها قدر اللّه في كونه وفي عباده.وهو يقسم بها - سبحانه - للتعظيم من شأنها،وتوجيه القلوب إليها،لتدبر ما وراءها من دلالة ولرؤية يد اللّه وهي تنشئها وتصرفها وتحقق بها قدر اللّه المرسوم.وذكرها على هذه الصورة بصفة خاصة يوجه القلب إلى أسرارها المكنونة ويعلقه بمبدع هذه الخلائق من وراء ذكرها هذا الذكر الموحي.

ثم لعل لها كذلك صلة من ناحية أخرى بموضوع الرزق،الذي يعنى سياق هذه السورة بتحرير القلب من أوهاقه،وإعفائه من أثقاله.فالرياح والسحب والسفن ظاهرة الصلة بالرزق ووسائله وأسبابه.أما الملائكة وتقسيمها للأمر،فإن الرزق أحد هذه القسم.ومن ثم تتضح الصلة بين هذا الافتتاح وموضوع بارز تعالجه السورة في مواضع شتى.

(1) - الشَّرِيعَةُ لِلْآجُرِّيِّ (151 ) صحيح مرسل

قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ:وَهَكَذَا كَانَ مَنْ بَعْدِ عُمَرَ،عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا،إِذَا سَأَلَهُ إِنْسَانٌ عَمَّا لَا يَعْنِيهِ عَنَّفَهُ وَرَدَّهُ إِلَى مَا هُوَ أَوْلَى بِهِ رُوِيَ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ قَالَ يَوْمًا:سَلُونِي،فَقَامَ ابْنُ الْكَوَّاءِ فَقَالَ:مَا السَّوَادُ الَّذِي فِي الْقَمَرِ ؟ فَقَالَ لَهُ:قَاتَلَكَ اللَّهُ،سَلْ تَفَقُّهًا،وَلَا تَسْأَلْ تَعَنُّتًا،أَلَا سَأَلْتَ عَنْ شَيْءٍ يَنْفَعُكَ فِي أَمْرِ دُنْيَاكَ أَوْ أَمْرِ آخِرَتِكَ ؟ ثُمَّ قَالَ:ذَلِكَ مَحْوُ اللَّيْلِ قُلْتُ:وَقَدْ كَانَ الْعُلَمَاءُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا يَكْرَهُونَ عُضْلَ الْمَسَائِلِ وَيَرُدُّونَهَا،وَيَأْمُرُونَ بِالسُّؤَالِ عَمَّا يَعْنِي خَوْفًا مِنَ الْمِرَاءِ وَالْجِدَالِ الَّذِي نُهُوا عَنْهُ نَهَى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ قِيلَ وَقَالَ،وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ وَنَهَى عَنِ الْأُغْلُوطَاتِ وَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -:"أَعْظَمُ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ،فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ"كُلُّ هَذَا خَوْفًا مِنَ الْمِرَاءِ وَالْجِدَالِ،فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ , وَيَا أَهْلَ الْحَدِيثِ , وَيَا أَهْلَ الْفِقْهِ , وَدَعُوا الْمِرَاءَ وَالْجِدَالَ وَالْخُصُومَةَ فِي الدِّينِ وَاسْلُكُوا طَرِيقَ مَنْ سَلَفَ مِنْ أَئِمَّتِكُمْ،يَسْتَقِمْ لَكُمُ الْأَمْرُ الرَّشِيدُ،وَتَكُونُوا عَلَى الْمَحَجَّةِ الْوَاضِحَةِ إِن ْشَاءَ اللَّهُ تَعَالَى،فَقَدْ أُثْبِتَ فِي تَرْكِ الْمِرَاءِ وَالْجِدَالِ مَا فِيهِ كِفَايَةٌ لِمَنْ عَقَلَ،وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِمَنْ أَحَبَّ"."

(2) - تفسير ابن كثير - دار طيبة [7 /414]

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت