حقيقة خلق السماوات والأرض.وحقيقة الاستواء على العرش والهيمنة على الخلق.وحقيقة العلم بأشياء بعينها من هذا الخلق.وحقيقة الوجود مع كل أحد أينما وجد.وحقيقة رجعة الأمور إليه وحده.وحقيقة تصرفه اللطيف في كيان الوجود،وعلمه الخفي بذات الصدور ..
وكلها حقائق منبثقة عن تلك الحقيقة الأولى ..ولكن عرضها في هذا المجال الكوني يجعل لها في القلب البشري إيقاعات وظلالا ..والسماوات والأرض تواجه هذا القلب وتروعه بضخامتها وجلالها،وتناسقها وجمالها،كما تواجهه وتروعه بدقة نظامها وانضباط حركاتها،واطراد ظواهرها.ثم إنها خلائق من خلق اللّه كالقلب البشري.فله بها صلة الأسرة وأنس القرابة.وهي توقع على أوتاره إيقاعات لدنية حين يتوجه إليها،ويسمع لها،ويعاطفها! وهي تقول له:إن الذي خلقها هو خلقه.وهي تسبح لخالقها فليسبح لخالقه! كما تقول له:إنها تستمد حقيقة وجودها من وجود خالقها وأنه هو كذلك.فليس هنالك إذن إلا هذه الحقيقة تستحق الاحتفال بها!
والأيام الستة لا يعلم حقيقتها إلا اللّه.فأيامنا هذه ليست سوى ظلال ناشئة عن حركة الأرض حول نفسها أمام الشمس.وجدت بعد خلق الأرض والشمس فليست هي الأيام التي خلق اللّه فيها السماوات والأرض.فنترك علمها للّه يطلعنا عليه إن أراد.
وكذلك العرش.فنحن نؤمن به كما ذكره ولا نعلم حقيقته.أما الاستواء على العرش فنملك أن نقول:إنه كناية عن الهيمنة على هذا الخلق.استنادا إلى ما نعلمه من القرآن عن يقين من أن اللّه - سبحانه - لا تتغير عليه الأحوال.فلا يكون في حالة عدم استواء على العرش،ثم تتبعها حالة استواء.والقول بأننا نؤمن بالاستواء ولا ندرك كيفيته لا يفسر قوله تعالى: «ثُمَّ اسْتَوى » ..والأولى أن نقول:إنه كناية عن الهيمنة كما ذكرنا [1] .
والتأويل هنا لا يخرج على المنهج الذي أشرنا إليه آنفا لأنه لا ينبع من مقررات وتصورات من عند أنفسنا.إنما يستند إلى مقررات القرآن ذاته،وإلى التصور الذي يوحيه عن ذات اللّه سبحانه وصفاته.
(1) - قال ابن كثير:"وأما قوله تعالى: { ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ } فللناس في هذا المقام مقالات كثيرة جدا، ليس هذا موضع بسطها، وإنما يُسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح:مالك، والأوزاعي، والثوري،والليث بن سعد، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه وغيرهم، من أئمة المسلمين قديما وحديثا، وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل. والظاهر المتبادر إلى أذهان المشبهين منفي عن الله، فإن الله لا يشبهه شيء من خلقه، و { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } [ الشورى:11 ] بل الأمر كما قال الأئمة -منهم نُعَيْم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري:"من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر". وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه، فمن أثبت لله تعالى ما وردت به الآيات الصريحة والأخبار الصحيحة، على الوجه الذي يليق بجلال الله تعالى، ونفى عن الله تعالى النقائص، فقد سلك سبيل الهدى.تفسير ابن كثير - دار طيبة [3 /426] "
قلت:فرق كبير بين الإمرار والإثبات،فالصواب الإمرار فقط لأنها من متشابه القرآن وليس الإثبات مع الإمرار كما يقول البعض !!!!