رَبِّهِمْ،ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ.ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ،قُلْ:لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا،إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ».
في فقرة سابقة قرر أن ما شرعه اللّه للأمة المسلمة هو ما وصى به نوحا وإبراهيم وموسى وعيسى،وهو ما أوحى به إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - وفي هذه الفقرة يتساءل في استنكار عما هم فيه وما هم عليه،من ذا شرعه لهم ما دام اللّه لم يشرعه؟ وهو مخالف لما شرعه منذ أن كان هناك رسالات وتشريعات؟ « أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ؟» ..
وليس لأحد من خلق اللّه أن يشرع غير ما شرعه اللّه وأذن به كائنا من كان فاللّه وحده هو الذي يشرع لعباده.بما أنه - سبحانه - هو مبدع هذا الكون كله،ومدبره بالنواميس الكلية الكبرى التي اختارها له.والحياة البشرية إن هي إلا ترس صغير في عجلة هذا الكون الكبير،فينبغي أن يحكمها تشريع يتمشى مع تلك النواميس ولا يتحقق هذا إلا حين يشرع لها المحيط بتلك النواميس.وكل من عدا اللّه قاصر عن تلك الإحاطة بلا جدال.فلا يؤتمن على التشريع لحياة البشر مع ذلك القصور.
ومع وضوح هذه الحقيقة إلى حد البداهة فإن الكثيرين يجادلون فيها،أو لا يقتنعون بها،وهم يجرؤون على استمداد التشريع من غير ما شرع اللّه،زاعمين أنهم يختارون الخير لشعوبهم،ويوائمون بين ظروفهم والتشريع الذي ينشئونه من عند أنفسهم.كأنما هم أعلم من اللّه وأحكم من اللّه! أو كأنما لهم شركاء من دون اللّه يشرعون لهم ما لم يأذن به اللّه! وليس أخيب من ذلك ولا أجرا على اللّه! لقد شرع اللّه للبشرية ما يعلم سبحانه،أنه يتناسق مع طبيعتها وفطرتها وطبيعة الكون الذي تعيش فيه وفطرته.
ومن ثم يحقق لهذه البشرية أقصى درجات التعاون فيما بينها،والتعاون كذلك مع القوى الكونية الكبرى.شرع في هذا كله أصولا،وترك للبشر فقط استنباط التشريعات الجزئية المتجددة مع حاجات الحياة المتجددة،في حدود المنهج الكلي والتشريعات العامة.فإذا ما اختلف البشر في شيء من هذا ردوه إلى اللّه ورجعوا به إلى تلك الأصول الكلية التي شرعها للناس،لتبقى ميزانا يزن به البشر كل تشريع جزئي وكل تطبيق.
بذلك يتوحد مصدر التشريع،ويكون الحكم للّه وحده.وهو خير الحاكمين.وما عدا هذا النهج فهو خروج على شريعة اللّه،وعلى دين اللّه،وعلى ما وصى به نوحا وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمدا عليهم الصلاة والسّلام. «وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ» ..فقد قال اللّه كلمة الفصل بإمهالهم إلى يوم القول الفصل.ولولاها لقضى اللّه بينهم،فأخذ المخالفين لما شرعه اللّه،المتبعين لشرع من عداه.لأخذهم بالجزاء العاجل.ولكنه أمهلهم ليوم الجزاء.
«وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ» ..فهذا هو الذي ينتظرهم جزاء الظلم.وهل أظلم من المخالفة عن شرع اللّه إلى شرع من عداه؟ ومن ثم يعرض هؤلاء الظالمين في مشهد من مشاهد القيامة.يعرضهم