مشفقين خائفين من العذاب وكانوا من قبل لا يشفقون،بل يستعجلون ويستهترون: «تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ» ..والتعبير العجيب يجعل إشفاقهم «مِمَّا كَسَبُوا» فكأنما هو غول مفزع وهو هو الذي كسبوه وعملوه بأيديهم وكانوا به فرحين! ولكنهم اليوم يشفقون منه ويفزعون «وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ» ..وكأنه هو بذاته انقلب عذابا لا مخلص منه،وهو واقع بهم!
وفي الصفحة الأخرى نجد المؤمنين الذين كانوا يشفقون من هذا اليوم ويخافون.نجدهم في أمن وعافية ورخاء: «وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي رَوْضاتِ الْجَنَّاتِ،لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ.ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ.ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ» ..
والتعبير كله رخاء يرسم ظلال الرخاء: «فِي رَوْضاتِ الْجَنَّاتِ» .. «لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ» بلا حدود ولا قيود. «ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ» . «ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ» فهو بشرى حاضرة،مصداقا للبشرى السالفة.وظل البشرى هنا هو أنسب الظلال.
وعلى مشهد هذا النعيم الرخاء الجميل الظليل يلقن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يقول لهم:إنه لا يطلب منهم أجرا على الهدى الذي ينتهي بهم إلى هذا النعيم،وينأى بهم عن ذلك العذاب الأليم.إنما هي مودته لهم لقرابتهم منه،وحسبه ذلك أجرا: «قُلْ:لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا.إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى .وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا.إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ» ..
والمعنى الذي أشرت إليه،وهو أنه لا يطلب منهم أجرا،إنما تدفعه المودة للقربى - وقد كانت لرسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - قرابة بكل بطن من بطون قريش - ليحاول هدايتهم بما معه من الهدى،ويحقق الخير لهم إرضاء لتلك المودة التي يحملها لهم،وهذا أجره وكفى!
هذا المعنى هو الذي انقدح في نفسي وأنا أقرأ هذا التعبير القرآني في مواضعه التي جاء فيها.وهناك تفسير مروي عن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - أثبته هنا لوروده في صحيح البخاري:عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ قَالَ سَمِعْتُ طَاوُسًا قَالَ سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ (قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِى الْقُرْبَى ) قَالَ فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قُرْبَى آلِ مُحَمَّدٍ.قَالَ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَجِلْتَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لَمْ يَكُنْ بَطْنٌ مِنْ بُطُونِ قُرَيْشٍ إِلاَّ كَانَ لَهُ فِيهِمْ قَرَابَةٌ فَقَالَ إِلاَّ أَنْ تَصِلُوا مَا بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ مِنَ الْقَرَابَةِ. [1]
ويكون المعنى على هذا:إلا أن تكفوا أذاكم مراعاة للقرابة.وتسمعوا وتلينوا لما أهديكم إليه.فيكون هذا هو الأجر الذي أطلبه منكم لا سواه.
وتأويل ابن عباس - رضي اللّه عنهما - أقرب من تأويل سعيد بن جبير - رضي اللّه عنه - ولكنني ما أزال أحس أن ذلك المعنى أقرب وأندى ..واللّه أعلم بمراده منا.
(1) -مسند أحمد-المكنز [6 /176] (2650) وصحيح البخارى- المكنز [16 /94] (4818)