لتذوقه،لا لتعريفه! وتمثل هذه الحقيقة في التصور الإسلامي يكوّن جانبا أساسيا من تصور حقيقة الألوهية،وعلاقة العباد بها ..
وهو تصوّر جميل مطمئن ودود لطيف.يعجب الإنسان معه لمناكيد الخلق الذين يتقولون على التصور الإسلامي في هذا الجانب،لأنه لا يقول ببنوة أحد من عباد اللّه للّه! - على نحو ما تقول التصورات الكنسية المحرفة - فالتصور الإسلامي إذ يرتفع على هذه التصورات الصبيانية الطفولية،يبلغ في الوقت ذاته من تصوير العلاقة الرحيمة بين اللّه وعباده هذا المستوي الذي يعجز التعبير البشري عن وصفه.والذي يترع القلب بحلاوة مذاقه،كما يروعه بجلال إيقاعه ..
ورحمة اللّه تفيض على عباده جميعا وتسعهم جميعا وبها يقوم وجودهم،وتقوم حياتهم.وهي تتجلى في كل لحظة من لحظات الوجود أو لحظات الحياة للكائنات.فأما في حياة البشر خاصة فلا نملك أن نتابعها في كل مواضعها ومظاهرها ولكننا نذكر منها لمحات في مجاليها الكبيرة:
إنها تتجلى ابتداء في وجود البشر ذاته.في نشأتهم من حيث لا يعلمون.وفي إعطائهم هذا الوجود الإنساني الكريم بكل ما فيه من خصائص يتفضل بها الإنسان على كثير من العالمين.
وتتجلى في تسخير ما قدر اللّه أن يسخره للإنسان،من قوى الكون وطاقاته.وهذا هو الرزق في مضمونه الواسع الشامل.الذي يتقلب الإنسان في بحبوحة منه في كل لحظة من لحظات حياته.
وتتجلى في تعليم اللّه للإنسان،بإعطائه ابتداء الاستعداد للمعرفة وتقدير التوافق بين استعداداته هذه وإيحاءات الكون ومعطياته ..هذا العلم الذي يتطاول به بعض المناكيد على اللّه،وهو الذي علمهم إياه! وهو من رزق اللّه بمعناه الواسع الشامل كذلك.
وتتجلى في رعاية اللّه لهذا الخلق بعد استخلافه في الأرض،بموالاة إرسال الرسل إليه بالهدى،كلما نسي وضل وأخذه بالحلم كلما لج في الضلال ولم يسمع صوت النذير،ولم يصغ للتحذير.وهو على اللّه هين.
ولكن رحمة اللّه وحدها هي التي تمهله،وحلم اللّه وحده هو الذي يسعه.
وتتجلى في تجاوز اللّه - سبحانه - عن سيئاته إذا عمل السوء بجهالة ثم تاب،وبكتابة الرحمة على نفسه ممثلة في المغفرة لمن أذنب ثم أناب.
وتتجلى في مجازاته عن السيئة بمثلها،ومجازاته على الحسنة بعشر أمثالها.والمضاعفة بعد ذلك لمن يشاء.
ومحو السيئة بالحسنة ..وكله من فضل اللّه.فلا يبلغ أحد أن يدخل الجنة بعمله إلا أن يتغمده اللّه برحمته.
حتى رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - كما قال عن نفسه،في معرفة كاملة بعجز البشر وفضل اللّه. [1] .
(1) - عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ « لَنْ يُنْجِىَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ » .قَالَ رَجُلٌ وَلاَ إِيَّاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ « وَلاَ إِيَّاىَ إِلاَّ أَنْ يَتَغَمَّدَنِىَ اللَّهُ مِنْهُ بِرَحْمَةٍ وَلَكِنْ سَدِّدُوا » .صحيح مسلم- المكنز [18 /121] (7289 )
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،قَالَ:قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لاَ يَدْخُلُ أَحَدٌ مِنْكُمُ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ قَالُوا:وَلاَ أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ ؟ قَالَ:وَلاَ أَنَا،إِلاَّ أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ مِنْهُ بِرَحْمَةٍ وَفَضْلٍ،وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ.مسند أحمد (عالم الكتب) [3 /80] (7479) 7473 صحيح