فهرس الكتاب

الصفحة 2993 من 4997

إن تلك الذرة الصغيرة الضعيفة المحدودة تواجه الجلال الذي لا تدركه الأبصار .الجلال الذي تتضاءل في ظله الأرض والسماوات .ويتلقى .يتلقى ذلك النداء العلوي بالكيان البشري ..فكيف؟ كيف لولا لطف الله؟

إنها لحظة ترتفع فيها البشرية كلها وتكبر ممثلة في موسى عليه السلام فبحسب الكيان البشري أن يطيق التلقي من ذلك الفيض لحظة .وبحسب البشرية أن يكون فيها الاستعداد لمثل هذا الاتصال على نحو من الأنحاء ..كيف؟ لا ندري كيف! فالعقل البشري ليس هنا ليدرك ويحكم،إنما قصاراه أن يقف مبهوتًا يشهد ويؤمن!

{ فلما أتاها نودي يا موسى:إني أنا ربك ..} نودي بهذا البناء للمجهول؟ فما يمكن تحديد مصدر النداء ولا اتجاهه .ولا تعيين صورته ولا كيفيته .ولا كيف سمعه موسى أو تلقاه ..نودي بطريقة ما فتلقى بطريقة ما .فذلك من أمر الله الذي نؤمن بوقوعه،ولا نسأل عن كيفيته،لأن كيفيته وراء مدارك البشر وتصورات الإنسان . «يا مُوسى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً [1] » ..إنك في الحضرة العلوية.فتجرد بقدميك.وفي الوادي الذي تتجلى عليه الطلعة المقدسة،فلا تطأه بنعليك. « وَأَنَا اخْتَرْتُكَ» ..فيا للتكريم! يا للتكريم أن يكون اللّه بذاته هو الذي يختار.يختار عبدا من العبيد هو فرد من جموع الجموع ..تعيش على كوكب من الكواكب هو ذرة في مجموعة.المجموعة هي ذرة في الكون الكبير الذي قال له اللّه:كن ..فكان! ولكنها رعاية الرحمن لهذا الإنسان! وبعد إعلانه بالتكريم والاختيار،والاستعداد والتهيؤ بخلع نعليه،يجيء التنبيه للتلقي: «فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى » ..ويلخص ما يوحى في ثلاثة أمور مترابطة:الاعتقاد بالوحدانية،والتوجه بالعبادة،والإيمان بالساعة وهي أسس رسالة اللّه الواحدة: «إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي.إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى .فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى » ..فأما الألوهية الواحدة فهي قوام العقيدة.واللّه في ندائه لموسى - عليه السلام - يؤكدها بكل المؤكدات:بالإثبات المؤكد. «إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ» وبالقصر المستفاد من النفي والاستثناء: «لا إِلهَ إِلَّا أَنَا» الأولى لإثبات الألوهية للّه،والثانية لنفيها عن سواه ..وعلى الألوهية تترتب العبادة والعبادة تشمل التوجه للّه في كل نشاط الحياة ولكنه يخص بالذكر منها الصلاة: «وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي» لأن الصلاة أكمل صورة من صور العبادة،وأكمل وسيلة من وسائل الذكر،لأنها تتمحض لهذه الغاية،وتتجرد من كل الملابسات الأخرى وتتهيأ فيها النفس لهذا الغرض وحده،وتتجمع للاتصال باللّه.

فأما الساعة فهي الموعد المرتقب للجزاء الكامل العادل،الذي تتوجه إليه النفوس فتحسب حسابه وتسير في الطريق وهي تراقب وتحاسب وتخشى الانزلاق ..واللّه سبحانه يؤكد مجيئها:«إِنَّ السَّاعَةَ

(1) - قيل:إنها اسم الوادي وقيل:إنها وصف له. (السيد رحمه الله )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت