فهرس الكتاب

الصفحة 2992 من 4997

عشرا.والأرجح أنه وفى عشرا [1] ثم خطر له أن يفارق شعيبا [2] وأن يستقل بنفسه وبزوجه،ويعود إلى البلد الذي نشأ فيه،والذي فيه قومه بنو إسرائيل يعيشون تحت سياط فرعون وقهره.

لماذا عاد.وقد خرج من مصر طريدا.قتل قبطيا فيها حين رآه يقتتل مع إسرائيلي،وغادر مصر هاربا وبنو إسرائيل فيها يسامون العذاب ألوانا؟ حيث وجد الأمن والطمأنينة في مدين إلى جوار شعيب صهره الذي آواه وزوجه إحدى ابنتيه؟

إنها جاذبية الوطن والأهل تتخذها القدرة ستارا لما تهيئه لموسى من أدوار ..وهكذا نحن في هذه الحياة نتحرك.تحركنا أشواق وهواتف،ومطامح ومطامع،وآلام وآمال ..وإن هي إلا الأسباب الظاهرة للغاية المضمرة،والستار الذي تراه العيون لليد التي لا تراها الأنظار ولا تدركها الأبصار.يد المدبر المهيمن العزيز القهار ..وهكذا عاد موسى.وهكذا ضل طريقه في الصحراء ومعه زوجه وقد يكون معهما خادم.ضل طريقه والليل مظلم،والمتاهة واسعة.نعرف هذا من قوله لأهله: «امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً» ..فأهل البادية يوقدون النار عادة على مرتفع من الأرض،ليراها الساري في الصحراء،فتكشف له عن الطريق،أو يجد عندها القرى والضيافة ومن يهديه إلى الطريق.

ولقد رأى موسى النار في الفلاة.فاستبشر.وذهب ليأتي منها بقبس يستدفىء به أهله،فالليلة باردة وليالي الصحراء باردة قارة.أو ليجد عندها من يهديه إلى الطريق أو يهتدي على ضوئها إلى الطريق.

لقد ذهب يطلب قبسا من النار ويطلب هاديا في السرى ..ولكنه وجد المفاجأة الكبرى.إنها النار التي تدفىء.لا الأجسام ولكن الأرواح.النار التي تهدي لا في السرى ولكن في الرحلة الكبرى: «فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ:يا مُوسى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ.فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ.إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً.وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى .إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا،فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي.إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى .فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى » ..

إن القلب ليجف،وإن الكيان ليرتجف.وهو يتصور - مجرد تصور - ذلك المشهد ..موسى فريد في تلك الفلاة.والليل دامس،والظلام شامل،والصمت مخيم.وهو ذاهب يلتمس النار التي آنسها من جانب الطور.ثم إذا الوجود كله من حوله يتجاوب بذلك النداء: «إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ.إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً وَأَنَا اخْتَرْتُكَ ...» .

(1) - عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ سَأَلَنِى يَهُودِىٌّ مِنْ أَهْلِ الْحِيرَةِ أَىَّ الأَجَلَيْنِ قَضَى مُوسَى قُلْتُ لاَ أَدْرِى حَتَّى أَقْدَمَ عَلَى حَبْرِ الْعَرَبِ فَأَسْأَلَهُ . فَقَدِمْتُ،فَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ قَضَى أَكْثَرَهُمَا وَأَطْيَبَهُمَا،إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا قَالَ فَعَلَ .صحيح البخارى- المكنز [9 /496] ( 2684 )

(2) - الصواب أنه رجل صالح من قوم النبي شعيب عليه السلام،وليس النبي شعيب عليه السلام بيقين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت