الأمر لموسى في الألواح،لتكون شريعته في بني إسرائيل.وما كان رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - شاهدا لهذا الميقات،حتى يعلم نبأه المفصل،كما ورد في القرآن الكريم وإن بينه وبين هذا الحادث لقرونا من الناس - أي أجيالا متطاولة: «وَلكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُونًا فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ» .فتلك دلالة على أن الذي نبأه به هو العليم الخبير،الذي يوحي إليه بالقرآن الكريم.
ولقد تحدث القرآن كذلك بأنباء مدين،ومقام موسى - عليه السّلام - بها وتلاها رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وما كان مقيما في أهل مدين،يتلقى عنهم أخبار هذه الفترة بمثل ذلك التفصيل الذي جاءت فيه: «وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ» بهذا القرآن وما فيه من أنباء السابقين.
كذلك صوّر القرآن موقف المناداة والمناجاة من جانب الطور بدقة وعمق: «وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا» وما سمع رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - النداء،وما سجل في وقتها تفصيلاته.ولكنها رحمة اللّه بقومه هؤلاء،أن قص عليه تلك الأنباء الدالة على صدقه - صلى الله عليه وسلم - فيما يدعوهم إليه،لينذر هؤلاء القوم الذين لم يأتهم نذير من قبله - فقد كانت الرسالات في بني إسرائيل من حولهم،ولم يرسل إليهم رسول منذ أمد طويل،منذ أبيهم إسماعيل: «لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ» .فهي رحمة اللّه بالقوم.وهي حجته كذلك عليهم،كي لا يعتذروا بأنهم أخذوا على غرة،وأنهم لم ينذروا قبل أخذهم بالعذاب - وما هم فيه من جاهلية وشرك ومعصية يستوجب العذاب - فأراد اللّه أن يقطع حجتهم،وأن يعذر إليهم،وأن يقفهم أمام أنفسهم مجردين من كل عائق يعوقهم عن الإيمان: «وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ،فَيَقُولُوا:رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا،فَنَتَّبِعَ آياتِكَ،وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ!» ..
كذلك كانوا سيقولون لو لم يأتهم رسول.ولو لم يكن مع هذا الرسول من الآيات ما يلزم الحجة.ولكنهم حين جاءهم الرسول،ومعه الحق الذي لا مرية فيه لم يتبعوه: «فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا:لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى ! أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ؟ قالُوا:سِحْرانِ تَظاهَرا،وَقالُوا:إِنَّا بِكُلٍّ كافِرُونَ» ..وهكذا لم يذعنوا للحق،واستمسكوا بالتعللات الباطلة: «قالُوا:لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى » إما من الخوارق المادية،وإما من الألواح التي نزلت عليه جملة،وفيها التوراة كاملة.ولكنهم لم يكونوا صادقين في حجتهم،ولا مخلصين في اعتراضهم: «أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ؟» ولقد كان في الجزيرة يهود،وكان معهم التوراة،فلم يؤمن لهم العرب،ولم يصدقوا بما بين أيديهم من التوراة.
ولقد علموا أن صفة محمد - صلى الله عليه وسلم - مكتوبة في التوراة،واستفتوا بعض أهل الكتاب فيما جاءهم به فأفتوهم بما يفيد أنه مطابق لما بين أيديهم من الكتاب فلم يذعنوا لهذا كله،وادعوا أن التوراة سحر،وأن القرآن سحر،وأنهما من أجل هذا يتطابقان،ويصدق أحدهما الآخر: « قالُوا:سِحْرانِ تَظاهَرا.وَقالُوا:إِنَّا بِكُلٍّ كافِرُونَ» ! فهو المراء إذن واللجاجة،لا طلب الحق ولا نقصان البراهين،ولا ضعف الدليل.ومع هذا فهو يسير معهم خطوة أخرى في الإفحام والإحراج.يقول لهم:إن لم يكن