فهرس الكتاب

الصفحة 443 من 4997

إنها طريقة القرآن العجيبة،التي تفرده وتميزه من سائر القول.الطريقة التي تحيي المشهد وتستحضره في التو واللحظة،وتقف القلوب إزاءه وقفة من يرى ويسمع ويعاني ما فيه! فإلى متى يتخلف المتخلفون عن الدخول في السلم وهذا الفزع الأكبر ينتظر هم؟ بل هذا الفزع الأكبر يدهمهم! والسلم منهم قريب.السلم في الدنيا والسلم في الآخرة يوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا.

يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا.يوم يقضى الأمر ..وقد قضي الأمر! «وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ» ..

هنا يلتفت السياق لفتة أخرى.فيخاطب النبي - صلى الله عليه وسلم - يكلفه أن يسأل بني إسرائيل - وهم نموذج التلكؤ في الاستجابة كما وصفتهم هذا السورة من قبل:كم آتاهم اللّه من آية بينة ثم لم يستجيبوا! وكيف بدلوا نعمة اللّه،نعمة الإيمان والسلم،من بعد ما جاءتهم: «سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ:كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ،وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ» ..

والعودة هنا إلى بني إسرائيل عودة طبيعية،فهنا تحذير من موقف بنو إسرائيل فيه أصلاء! موقف التلكؤ دون الاستجابة وموقف النشوز وعدم الدخول في السلم كافة وموقف التعنت وسؤال الخوارق،ثم الاستمرار في العناد والجحود ..وهذه هي مزالق الطريق التي يحذر اللّه الجماعة المسلمة منها،كي تنجو من عاقبة بني إسرائيل المنكودة.

«سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ:كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ» ..والسؤال هنا قد لا يكون مقصورا على حقيقته.إنما هو أسلوب من أساليب البيان،للتذكير بكثرة الآيات التي آتاها اللّه بني إسرائيل،والخوارق التي أجراها لهم ..إما بسؤال منهم وتعنت،وإما ابتداء من عند اللّه لحكمة حاضرة ..ثم ما كان منهم - على الرغم من كثرة الخوارق - من تردد وتلكؤ وتعنت ونكوص عن السلم الذي يظلل كنف الإيمان.

ثم يجيء التعقيب عاما: «وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ» ..

ونعمة اللّه المشار إليها هنا هي نعمة السلم.أو نعمة الإيمان.فهما مترادفان.والتحذير من تبديلها يجد مصداقه أولا في حال بني إسرائيل،وحرمانهم من السلم والطمأنينة والاستقرار،منذ أن بدلوا نعمة اللّه،وأبوا الطاعة الراضية،والاستسلام لتوجيه اللّه.وكانوا دائما في موقف الشاك المتردد،الذي يظل يطلب الدليل من الخارقة في كل خطوة وكل حركة ثم لا يؤمن بالمعجزة،ولا يطمئن لنور اللّه وهداه،والتهديد بشدة عقاب اللّه يجد مصداقه أولا في حال بني إسرائيل،ويجد مصداقه أخيرا فيما ينتظر المبدلين للنعمة المتبطرين عليها في كل زمان.

وما بدلت البشرية هذه النعمة إلا أصابها العقاب الشديد في حياتها على الأرض قبل عقاب الآخرة.وها هي ذي البشرية المنكودة الطالع في أنحاء الأرض كلها تعاني العقاب الشديد وتجد الشقوة النكدة وتعاني القلق والحيرة ويأكل بعضها بعضا ويأكل الفرد منها نفسه وأعصابه،ويطاردها وتطارده بالأشباح المطلقة،وبالخواء القاتل الذي يحاول المتحضرون أن يملأوه تارة بالمسكرات والمخدرات،وتارة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت