فهرس الكتاب

الصفحة 4563 من 4997

المستعجل فردا كان أو مجموعة! وهذا العذاب للكافرين ..إطلاقا ..فيدخل فيه أولئك السائلون المستعجلون كما يدخل فيه كل كافر.

وهو واقع من اللّه «ذِي الْمَعارِجِ» ..وهو تعبير عن الرفعة والتعالي،كما قال في السورة الأخرى: «رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ» ..

وبعد هذا الافتتاح الذي يقرر كلمة الفصل في موضوع العذاب،ووقوعه،ومستحقيه،ومصدره،وعلو هذا المصدر ورفعته،مما يجعل قضاءه أمرا علويا نافذا لا مرد له ولا دافع ..بعد هذا أخذ في وصف ذلك اليوم الذي سيقع فيه هذا العذاب،والذي يستعجلون به وهو منهم قريب.ولكن تقدير اللّه غير تقدير البشر،ومقاييسه غير مقاييسهم: «تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ،فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا،إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا وَنَراهُ قَرِيبًا» ..

والأرجح أن اليوم المشار إليه هنا هو يوم القيامة،لأن السياق يكاد يعين هذا المعنى.وفي هذا اليوم تصعد الملائكة والروح إلى اللّه.والروح:الأرجح أنه جبريل عليه السلام،كما سمي بهذا الاسم في مواضع أخرى.وإنما أفرد بالذكر بعد الملائكة لما له من شأن خاص.وعروج الملائكة والروح في هذا اليوم يفرد كذلك بالذكر،إيحاء بأهميته في هذا اليوم وخصوصيته،وهم يعرجون في شؤون هذا اليوم ومهامه.ولا ندري نحن - ولم نكلف أن ندري - طبيعة هذه المهام،ولا كيف يصعد الملائكة،ولا إلى أين يصعدون.فهذه كلها تفصيلات في شأن الغيب لا تزيد شيئا من حكمة النص،وليس لنا إليها من سبيل،وليس لنا عليها من دليل.فحسبنا أن نشعر من خلال هذا المشهد بأهمية ذلك اليوم،الذي ينشغل فيه الملائكة والروح بتحركات تتعلق بمهام ذلك اليوم العظيم.

وأما «كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ» ..فقد تكون كناية عن طول هذا اليوم كما هو مألوف في التعبير العربي.وقد تعني حقيقة معينة،ويكون مقدار هذا اليوم خمسين ألف سنة من سني أهل الأرض فعلا وهو يوم واحد! وتصور هذه الحقيقة قريب جدا الآن.فإن يومنا الأرضي هو مقياس مستمد من دورة الأرض حول نفسها في أربع وعشرين ساعة.وهناك نجوم دورتها حول نفسها تستغرق ما يعادل يومنا هذا آلاف المرات ..ولا يعني هذا أنه المقصود بالخمسين ألف سنة هنا.ولكننا نذكر هذه الحقيقة لتقرب إلى الذهن تصور اختلاف المقاييس بين يوم ويوم!

وإذا كان يوم واحد من أيام اللّه يساوي خمسين ألف سنة،فإن عذاب يوم القيامة قد يرونه هم بعيدا،وهو عند اللّه قريب.ومن ثم يدعو اللّه نبيه - صلى الله عليه وسلم - إلى الصبر الجميل على استعجالهم وتكذيبهم بذلك العذاب القريب. «فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا.إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا وَنَراهُ قَرِيبًا» ..

والدعوة إلى الصبر والتوجيه إليه صاحبت كل دعوة،وتكررت لكل رسول،ولكل مؤمن يتبع الرسول.وهي ضرورية لثقل العبء ومشقة الطريق،ولحفظ هذه النفوس متماسكة راضية،موصولة بالهدف البعيد،متطلعة كذلك إلى الأفق البعيد ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت