فهرس الكتاب

الصفحة 4567 من 4997

عليه.يحسب أنه من كده وكسبه فيضن به على غيره،ويحتجنه لشخصه،ويصبح أسير ما ملك منه،مستعبدا للحرص عليه! ذلك أنه لا يدرك حقيقة الرزق ودوره هو فيه.ولا يتطلع إلى خير منه عند ربه وهو منقطع عنه خاوي القلب من الشعور به ..فهو هلوع في الحالتين ..هلوع من الشر.هلوع على الخير ..وهي صورة بائسة للإنسان،حين يخلو قلبه من الإيمان.

ومن ثم يبدو الإيمان باللّه مسألة ضخمة في حياة الإنسان.لا كلمة تقال باللسان،ولا شعائر تعبدية تقام.إنه حالة نفس ومنهج حياة،وتصور كامل للقيم والأحداث والأحوال.وحين يصبح القلب خاويا من هذا المقوم فإنه يتأرجح ويهتز وتتناوبه الرياح كالريشة! ويبيت في قلق وخوف دائم،سواء أصابه الشر فجزع،أم أصابه الخير فمنع.فأما حين يعمره الإيمان فهو منه في طمأنينة وعافية،لأنه متصل بمصدر الأحداث ومدبر الأحوال مطمئن إلى قدره شاعر برحمته،مقدر لابتلائه،متطلع دائما إلى فرجه من الضيق،ويسره من العسر.متجه إليه بالخير،عالم أنه ينفق مما رزقه،وأنه مجزي على ما أنفق في سبيله،معوض عنه في الدنيا والآخرة ..فالإيمان كسب في الدنيا يتحقق قبل جزاء الآخرة،يتحقق بالراحة والطمأنينة والثبات والاستقرار طوال رحلة الحياة الدنيا.

وصفة المؤمنين المستثنين من الهلع،تلك السمة العامة للإنسان،يفصلها السياق هنا ويحددها: «إِلَّا الْمُصَلِّينَ.الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ» ..والصلاة فوق أنها ركن الإسلام وعلامة الإيمان،هي وسيلة الاتصال باللّه والاستمداد من ذلك الرصيد.ومظهر العبودية الخالصة التي يتجرد فيها مقام الربوبية ومقام العبودية في صورة معينة.وصفة الدوام التي يخصصها بها هنا: «الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ» ..تعطي صورة الاستقرار والاستطراد،فهي صلاة لا يقطعها الترك والإهمال والكسل وهي صلة باللّه مستمرة غير منقطعة ..وقد كان رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - إذا عمل شيئا من العبادة أثبته - أي داوم عليه - فعَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يَحْتَجِرُ حَصِيرًا بِاللَّيْلِ فَيُصَلِّى،وَيَبْسُطُهُ بِالنَّهَارِ فَيَجْلِسُ عَلَيْهِ،فَجَعَلَ النَّاسُ يَثُوبُونَ إِلَى النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فَيُصَلُّونَ بِصَلاَتِهِ حَتَّى كَثُرُوا فَأَقْبَلَ فَقَالَ « يَا أَيُّهَا النَّاسُ خُذُوا مِنَ الأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ،فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا،وَإِنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ مَا دَامَ وَإِنْ قَلَّ » [1] . ..لملاحظة صفة الاطمئنان والاستقرار والثبات على الاتصال باللّه،كما ينبغي من الاحترام لهذا الاتصال.فليس هو لعبة توصل أو تقطع،حسب المزاج!

«وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ» ..وهي الزكاة على وجه التخصيص والصدقات المعلومة القدر ..وهي حق في أموال المؤمنين ..أو لعل المعنى أشمل من هذا وأكبر.وهو أنهم يجعلون في أموالهم نصيبا معلوما يشعرون أنه حق للسائل والمحروم.وفي هذا تخلص من الشح واستعلاء على الحرص! كما أن فيه شعورا بواجب الواجد تجاه المحروم،في هذه الأمة المتضامنة المتكافلة ..والسائل

(1) - صحيح البخارى- المكنز [19 /376] (5861 ) يحتجر:يتخذه كالحجرة لنفسه دون غيره

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت