فهرس الكتاب

الصفحة 3049 من 4997

ما هو عليه،لأنه لم يتدبره ولم يتحقق منه.ولكنه كذلك معطل الفكر والروح بتأثير الوهم والتقليد.فهو لا يدري أي الأقوال حق.والعبادة تقوم على اليقين لا على الوهم المزعزع الذي لا يستند إلى دليل! وهذا هو التيه الذي يخبط فيه من لا يدينون بعقيدة التوحيد الناصعة الواضحة المستقيمة في العقل والضمير.فأما إبراهيم فهو مستيقن واثق عارف بربه،متمثل له في خاطره وفكره،يقولها كلمة المؤمن المطمئن لإيمانه: « قالَ:بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ،وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ» .فهو رب واحد.رب الناس ورب السماوات والأرض.ربوبيته ناشئة عن كونه الخالق.فهما صفتان لا تنفكان: «بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ» ..فهذه هي العقيدة المستقيمة الناصعة،لا كما يعتقد المشركون أن الآلهة أرباب،في الوقت الذي يقرون أنها لا تخلق،وأن الخالق هو اللّه.

ثم هم يعبدون تلك الآلهة التي لا تخلق شيئا وهم يعلمون! إنه واثق وثوق الذي يشهد على واقع لا شك فيه: «وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ» ..وإبراهيم - عليه السلام - لم يشهد خلق السماوات والأرض،ولم يشهد خلق نفسه ولا قومه ..ولكن الأمر من الوضوح والثبوت إلى حد أن يشهد المؤمنون عليه واثقين ..إن كل ما في الكون لينطق بوحدة الخالق المدبر.وإن كل ما في كيان الإنسان ليهتف به إلى الإقرار بوحدانية الخالق المدبر،وبوحدة الناموس الذي يدبر الكون ويصرفه.

ثم يعلن إبراهيم لمن كان يواجههم من قومه بهذا الحوار.أنه قد اعتزم في شأن آلهتهم أمرا لا رجعة فيه: «وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ» ..ويترك ما اعتزمه من الكيد للأصنام مبهما لا يفصح عنه ..ولا يذكر السياق كيف ردوا عليه.ولعلهم كانوا مطمئنين إلى أنه لن يستطيع لآلهتهم كيدا.فتركوه! «فَجَعَلَهُمْ جُذاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ» ..

وتحولت الآلهة المعبودة إلى قطع صغيرة من الحجارة والأخشاب المهشمة ..إلا كبير الأصنام فقد تركه إبراهيم «لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ» فيسألونه كيف وقعت الواقعة وهو حاضر فلم يدفع عن صغار الآلهة! ولعلهم حينئذ يراجعون القضية كلها،فيرجعون إلى صوابهم،ويدركون منه ما في عبادة هذه الأصنام من سخف وتهافت.وعاد القوم ليروا آلهتهم جذاذا إلا ذلك الكبير! ولكنهم لم يرجعوا إليه يسألونه ولا إلى أنفسهم يسألونها:

إن كانت هذه آلهة فكيف وقع لها ما وقع دون أن تدفع عن أنفسها شيئا.وهذا كبيرها كيف لم يدفع عنها؟ لم يسألوا أنفسهم هذا السؤال.لأن الخرافة قد عطلت عقولهم عن التفكير،ولأن التقليد قد غل أفكارهم عن التأمل والتدبر.فإذا هم يدعون هذا السؤال الطبيعي لينقموا على من حطم آلهتهم،وصنع بها هذا الصنيع: «قالُوا:مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ» ..

عندئذ تذكر الذين سمعوا إبراهيم ينكر على أبيه ومن معه عبادة هذه التماثيل،ويتوعدهم أن يكيد لآلهتهم بعد انصرافهم عنها! «قالُوا:سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ» ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت