ويبدو من هذا أن إبراهيم - عليه السلام - كان شابا صغير السن،حينما آتاه اللّه رشده،فاستنكر عبادة الأصنام وحطمها هذا التحطيم.ولكن أكان قد أوحي إليه بالرسالة في ذلك الحين؟ أم هو إلهام هداه إلى الحق قبل الرسالة.فدعا إليه أباه،واستنكر على قومه ما هم فيه؟ هذا هو الأرجح ..
وهناك احتمال أن يكون قولهم: «سَمِعْنا فَتًى» يقصد به إلى تصغير شأنه بدليل تجهيلهم لأمره في قولهم: «يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ!» للتقليل من أهميته،وإفادة أنه مجهول لا خطر له؟ قد يكون.ولكننا نرجح أنه كان فتى حديث السن في ذلك الحين. «قالُوا:فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ» ..
وقد قصدوا إلى التشهير به،وإعلان فعلته على رؤوس الأشهاد! «قالُوا:أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ؟» ..فهم ما يزالون يصرون على أنها آلهة وهي جذاذ مهشمة.فأما إبراهيم فهو يتهكم بهم ويسخر منهم،وهو فرد وحده وهم كثير.ذلك أنه ينظر بعقله المفتوح وقلبه الواصل فلا يملك إلا أن يهزأ بهم ويسخر،وأن يجيبهم إجابة تناسب هذا المستوي العقلي الدون: «قالَ:بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا.فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ» ..والتهكم واضح في هذا الجواب الساخر.فلا داعي لتسمية هذه كذبة من إبراهيم - عليه السلام - والبحث عن تعليلها بشتى العلل التي اختلف عليها المفسرون.فالأمر أيسر من هذا بكثير! إنما أراد أن يقول لهم:
إن هذه التماثيل لا تدري من حطمها إن كنت أنا أم هذا الصنم الكبير الذي لا يملك مثلها حراكا.فهي جماد لا إدراك له أصلا.وأنتم كذلك مثلها مسلوبو الإدراك لا تميزون بين الجائز والمستحيل.فلا تعرفون إن كنت أنا الذي حطمتها أم إن هذا التمثال هو الذي حطمها! «فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ» ! ويبدو أن هذا التهكم الساخر قد هزهم هزا،وردهم إلى شيء من التدبر والتفكر: «فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ،فَقالُوا:إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ» ..
وكانت بادرة خير أن يستشعروا ما في موقفهم من سخف،وما في عبادتهم لهذه التماثيل من ظلم.وأن تتفتح بصيرتهم لأول مرة فيتدبروا ذلك السخف الذي يأخذون به أنفسهم،وذلك الظلم الذي هم فيه سادرون.ولكنها لم تكن إلا ومضة واحدة أعقبها الظلام،وإلا خفقة واحدة عادت بعدها قلوبهم إلى الخمود: « ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ.لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ» ! وحقا لقد كانت الأولى رجعة إلى النفوس،وكانت الثانية نكسة على الرؤوس كما يقول التعبير القرآني المصور العجيب ..كانت الأولى حركة في النفس للنظر والتدبر.أما الثانية فكانت انقلابا على الرأس فلا عقل ولا تفكير.وإلا فإن قولهم هذا الأخير هو الحجة عليهم.وأية حجة لإبراهيم أقوى من أن هؤلاء لا ينطقون؟! ومن ثم يجبههم بعنف وضيق على غير عادته وهو الصبور الحليم.لأن السخف هنا يجاوز صبر الحليم: «قالَ:أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ؟ أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ؟!» وهي قولة يظهر فيها ضيق الصدر،وغيظ النفس،والعجب من السخف الذي يتجاوز كل مألوف.