فهرس الكتاب

الصفحة 3051 من 4997

عند ذلك أخذتهم العزة بالإثم كما تأخذ الطغاة دائما حين يفقدون الحجة ويعوزهم الدليل،فيلجأون إلى القوة الغاشمة والعذاب الغليظ: «قالُوا:حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ» ..

فيالها من آلهة ينصرها عبادها،وهي لا تملك لأنفسها نفعا ولا ضرا ولا تحاول لها ولا لعبادها نصرا! «قالُوا:حَرِّقُوهُ» ولكن كلمة أخرى قد قيلت ..فأبطلت كل قول،وأحبطت كل كيد.ذلك أنها الكلمة العليا التي لا ترد: «قُلْنا:يا نارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلى إِبْراهِيمَ» ..فكانت بردا وسلاما على إبراهيم ..كيف؟

ولما ذا نسأل عن هذه وحدها.و «كُونِي» هذه هي الكلمة التي تكون بها أكوان،وتنشأ بها عوالم،وتخلق بها نواميس: «إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ:كُنْ فَيَكُونُ» .

فلا نسأل:كيف لم تحرق النار إبراهيم،والمشهود المعروف أن النار تحرق الأجسام الحية؟ فالذي قال للنار:كوني حارقة.هو الذي قال لها:كوني بردا وسلاما.وهي الكلمة الواحدة التي تنشئ مدلولها عند قولها كيفما كان هذا المدلول.مألوفا للبشر أو غير مألوف.

إن الذين يقيسون أعمال اللّه سبحانه إلى أعمال البشر هم الذين يسألون:كيف كان هذا؟ وكيف أمكن أن يكون؟ فأما الذين يدركون اختلاف الطبيعتين،واختلاف الأداتين،فإنهم لا يسألون أصلا،ولا يحاولون أن يخلقوا تعليلا.علميا أو غير علمي.فالمسألة ليست في هذا الميدان أصلا.ليست في ميدان التعليل والتحليل بموازين البشر ومقاييس البشر.وكل منهج في تصور مثل هذه المعجزات غير منهج الإحالة إلى القدرة المطلقة هو منهج فاسد من أساسه،لأن أعمال اللّه غير خاضعة لمقاييس البشر وعلمهم القليل المحدود.

إن علينا فقط أن نؤمن بأن هذا قد كان،لأن صانعه يملك أن يكون.أما كيف صنع بالنار فإذا هي برد وسلام؟ وكيف صنع بإبراهيم فلا تحرقه النار ..فذلك ما سكت عنه النص القرآني لأنه لا سبيل إلى إدراكه بعقل البشر المحدود.وليس لنا سوى النص القرآني من دليل.

وما كان تحويل النار بردا وسلاما على إبراهيم إلا مثلا تقع نظائره في صور شتى.ولكنها قد لا تهز المشاعر كما يهزها هذا المثل السافر الجاهر.فكم من ضيقات وكربات تحيط بالأشخاص والجماعات من شأنها أن تكون القاصمة القاضية،وإن هي إلا لفتة صغيرة،فإذا هي تحيي ولا تميت،وتنعش ولا تخمد،وتعود بالخير وهي الشر المستطير.

إن «يا نارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلى إِبْراهِيمَ» لتتكرر في حياة الأشخاص والجماعات والأمم وفي حياة الأفكار والعقائد والدعوات.وإن هي إلا رمز للكلمة التي تبطل كل قول،وتحبط كل كيد،لأنهاالكلمة العليا التي لا ترد! «وَأَرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ» ..

وقد روي أن الملك المعاصر لإبراهيم كان يلقب «بالنمرود» وهو ملك الآراميين بالعراق.وأنه قد أهلك هو والملأ من قومه بعذاب من عند اللّه.تختلف الروايات في تفصيلاته،وليس لنا عليها من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت