فهرس الكتاب

الصفحة 644 من 4997

وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ.وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ.وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ» ..

نداء خاشع ..في تركيبه اللفظي إيقاع الدعاء.وفي ظلاله المعنوية روح الابتهال.وفي التفاتاته إلى كتاب الكون المفتوح استجاشة للمشاعر في رفق وإيناس.وفي جمعه بين تدبير اللّه وتصريفه لأمور الناس ولأمور الكون إشارة إلى الحقيقة الكبيرة:حقيقة الألوهية الواحدة القوامة على الكون والناس وحقيقة أن شأن الإنسان ليس إلا طرفا من شأن الكون الكبير الذي يصرفه اللّه وأن الدينونة للّه وحده هي شأن الكون كله كما هي شأن الناس وأن الانحراف عن هذه القاعدة شذوذ وسفه وانحراف! «قُلِ:اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ.تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ.وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ» ..

إنها الحقيقة الناشئة من حقيقة الألوهية الواحدة ..إله واحد فهو المالك الواحد ..هو «مال الملك» بلا شريك ..ثم هو من جانبه يملك من يشاء ما يشاء من ملكه.يملكه إياه تمليك العارية يستردها صاحبها ممن يشاء عند ما يشاء.فليس لأحد ملكية أصيلة يتصرف فيها على هواه.إنما هي ملكية معارة له خاضعة لشروط المملك الأصلي وتعليماته فإذا تصرف المستعير فيها تصرفا مخالفا لشرط المالك وقع هذا التصرف باطلا.وتحتم على المؤمنين رده في الدنيا.أما في الآخرة فهو محاسب على باطله ومخالفته لشرط المملك صاحب الملك الأصيل ..

وكذلك هو يعز من يشاء ويذل من يشاء بلا معقب على حكمه،وبلا مجير عليه،وبلا راد لقضائه،فهو صاحب الأمر كله بما أنه - سبحانه - هو اللّه ..وما يجوز أن يتولى هذا الاختصاص أحد من دون اللّه.

وفي قوامة اللّه هذه الخير كل الخير ..فهو يتولاها سبحانه بالقسط والعدل.يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء بالقسط والعدل.ويعز من يشاء ويذل من يشاء بالقسط والعدل.فهو الخير الحقيقي في جميع الحالات وهي المشيئة المطلقة والقدرة المطلقة على تحقيق هذا الخير في كل حال: «بِيَدِكَ الْخَيْرُ» .. «إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» ..

وهذه القوامة على شؤون البشر،وهذا التدبير لأمرهم بالخير،ليس إلا طرفا من القوامة الكبرى على شؤون الكون والحياة على الإطلاق: «تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ» ..

والتعبير التصويري لهذه الحقيقة الكبيرة،يملأ بها القلب والمشاعر والبصر والحواس:هذه الحركة الخفية المتداخلة.حركة إيلاج الليل في النهار وإيلاج النهار في الليل وإخراج الحي من الميت وإخراج الميت من الحي ..الحركة التي تدل على يد اللّه بلا شبهة ولا جدال،متى ألقى القلب إليها انتباهه،واستمع فيها إلى صوت الفطرة الصادق العميق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت