والتعبير الرهيب - «فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا» ..يصور الرقابة الدائمة الكاملة للرسول،وهو يؤدي هذا الأمر العظيم .. «لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ» ..واللّه يعلم.ولكن المقصود هو أن يقع منهم البلاغ فيتعلق به علمه في عالم الواقع.
«وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ» ..فما من شيء في نفوسهم وفي حياتهم ومن حولهم،إلا وهو في قبضة العلم لا يند منه شيء .. « وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا» ..لا يقتصر على ما لدى الرسل بل يحيط بكل شيء إحصاء وعدا،وهو أدق الإحاطة والعلم! وتصور هذه الحال.والرسول محوط بالحراس والأرصاد.وعلم اللّه على كل ما لديه.وكل ما حوله.
وهو يتلقى التكليف جنديا لا يملك إلا أن يؤدي.ويمضي في طريقه ليس متروكا لنفسه،ولا متروكا لضعفه،ولا متروكا لهواه،ولا متروكا لما يحبه ويرضاه.إنما هو الجد الصارم والرقابة الدقيقة.وهو يعلم هذا ويستقيم في طريقه لا يتلفت هنا أو هناك.فهو يعلم ماذا حوله من الحرس والرصد،ويعلم ما هو مسلط عليه من علم وكشف! إنه موقف يثير العطف على موقف الرسول،كما يثير الرهبة حول هذا الشأن الخطير.
وبهذا الإيقاع الهائل الرهيب تختم السورة،التي بدأت بالروعة والرجفة والانبهار بادية في مقالة الجن الطويلة المفصلة،الحافلة بآثار البهر والرجفة والارتياع! وتقرر السورة التي لا تتجاوز الثماني والعشرين آية،هذا الحشد من الحقائق الأساسية التي تدخل في تكوين عقيدة المسلم،وفي إنشاء تصوره الواضح المتزن المستقيم،الذي لا يغلو ولا يفرط،ولا يغلق على نفسه نوافذ المعرفة،ولا يجري - مع هذا - خلف الأساطير والأوهام! وصدق النفر الذي آمن حين سمع القرآن،وهو يقول: «إِنَّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ» ..