فهرس الكتاب

الصفحة 2963 من 4997

يتولاه - وماله الذي يحسن تدبيره وإنفاقه في وجهه.وهو يخشى الموالي من ورائه على هذا التراث كله،ويخشى ألا يسيروا فيه سيرته ..قيل لأنه يعهدهم غير صالحين للقيام على ذلك التراث ..

«وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِرًا» ..لم تعقب فلم يكن له من ذريته من يملك تربيته وإعداده لوراثته وخلافته.

ذلك ما يخشاه.فأما ما يطلبه فهو الولي الصالح،الذي يحسن الوراثة،ويحسن القيام على تراثه وتراث النبوة من آبائه وأجداده: «فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ» .

ولا ينسى زكريا،النبي الصالح،أن يصور أمله في ذلك الوريث الذي يرجوه في كبرته: «وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا» لا جبارا ولا غليظا،ولا متبطرا ولا طموعا.ولفظة «رضي» تلقي هذه الظلال.فالرضي الذي يرضى ويرضي.وينشر ظلال الرضى فيما حوله ومن حوله.ذلك دعاء زكريا لربه في ضراعة وخفية.والألفاظ والمعاني والظلال والإيقاع الرخي.كلها تشارك في تصوير مشهد الدعاء.

ثم ترتسم لحظة الاستجابة في رعاية وعطف ورضى ..فالرب ينادي عبده من الملأ الأعلى: «يا زَكَرِيَّا» ..ويعجل له البشرى: «إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ» ويغمره بالعطف فيختار له اسم الغلام الذي بشره به: «اسْمُهُ يَحْيى » .

وهو اسم فذ غير مسبوق: «لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا» ..إنه فيض الكرم الإلهي يغدقه على عبده الذي دعاه في ضراعة،وناجاه في خفية،وكشف له عما يخشى،وتوجه إليه فيما يرجو.والذي دفعه إلى دعاء ربه خوفه الموالي من بعده على تراث العقيدة وعلى تدبير المال والقيام على الأهل بما يرضي اللّه.وعلم اللّه ذلك من نيته فأغدق عليه وأرضاه.

وكأنما أفاق زكريا من غمرة الرغبة وحرارة الرجاء،على هذه الاستجابة القريبة للدعاء.فإذا هو يواجه الواقع ..إنه رجل شيخ بلغ من الكبر عتيا،وهن عظمه واشتعل شيبه،وامرأته عاقر لم تلد له في فتوته وصباه:فكيف يا ترى سيكون له غلام؟ إنه ليريد أن يطمئن،ويعرف الوسيلة التي يرزقه اللّه بها هذا الغلام: «قالَ:رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا؟» .إنه يواجه الواقع،ويواجه معه وعد اللّه.وإنه ليثق بالوعد،ولكنه يريد أن يعرف كيف يكون تحقيقه مع ذلك الواقع الذي يواجهه ليطمئن قلبه.وهي حالة نفسية طبيعية.في مثل موقف زكريا النبي الصالح.

الإنسان! الذي لا يملك أن يغفل الواقع،فيشتاق أن يعرف كيف يغيره اللّه! هنا يأتيه الجواب عن سؤاله:أن هذا هين على اللّه سهل.ويذكره بمثل قريب في نفسه:في خلقته هو وإيجاده بعد أن لم يكن.وهو مثل لكل حي،ولكل شيء في هذا الوجود: «قالَ:كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ:هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ.وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا» .وليس في الخلق هين وصعب على اللّه.ووسيلة الخلق للصغير والكبير،وللحقير والجليل واحدة:كن.فيكون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت